ضربة عنيفة لكثير من الأعمال اليومية التي يقوم بها الإنسان . ولهذا السبب تنجز الحيوانات ذوات الأربع كثيراً من أعمالها بفمها أو رأسها .
وبعبارة أخرى يمكن القول : إنّ وجود الأصابع لدى الإنسان يعتبر من العوامل المهمّة للتقدم الحضاري له ، والتعبير ب « البنان » المأخوذ من مادة الإقامة والدوام ، إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة نفسها ، وذلك لصعوبة وجوده في العالم بدونها .
يقول اللَّه تعالى في الآية الآنفة الذكر : إنّ بإمكاننا أن نعيد العظام الصغيرة الدقيقة في يوم القيامة أيضاً فضلًا عن العظام الكبيرة .
واحتمل جماعة من المفسرين أيضاً أنّ المقصود من تسوية البنان هو وصالها مع بعضها واخراجها بصورة حافر حيوان من ذوات الأربع وليس لهذا التفسير تناسب مع آيات السورة .
من الأمور التي يمكن استنتاجها من هذه الآية هو هذا الاكتشاف المهم ، فقد أصبح من الثابت أنّ معرفة هوية أحد ما يتمّ بوسيلة رؤوس أصابعه . وهي أوثق وأدق من كل امضاء ولا يستطيع أحد تزويره ، في حين أنّ التزوير قادر على التسرب إلى أعقد التواقيع ، ولهذا السبب أصبحت مسألة « أخذ البصمات » من الحقائق العلمية في عصرنا الحاضر واستحدثت لأجلها دائرة خاصة في المراكز الأمنية ، من خلالها يكشف النقاب عن كثير من المجرمين ، فيكفي أن يضع أحد السراق يده على مقبض الباب ، أو زجاج الغرفة ، أو على القفل والصندوق والكرسي عند دخوله لأحد الغرف أو المنازل فيبقى أثرها على تلك الأشياء ، أو يتمّ العثور على سلاح في قضية قتل ، عليه بصمات أحد الأشخاص ، وهذا يكفي لأخذ نماذج فورية لها فتتم مطابقتها على بصمات الأشخاص المشكوك بهم في تلك الحادثة ، - إضافة لما لديهم من معلومات عن المجرمين والسراق - ومن ثم يلقون القبض على الجاني .
إذن يكون مفهوم الآية بناءً على هذا التفسير : إنّنا لسنا قادرين على أن نجمع العظام الكبيرة والصغيرة فحسب ، بل إنّ في مقدورنا أيضاً أن نعيد الأصابع وبصماتها بجميع
نفحات القرآن — صفحة 141
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٤١