ودار الحديث في ثاني آية عن نزول ملك الوحي وإتيانه بالقرآن للنبي صلى الله عليه وآله ، يقول تعالى :
« وَإِنَّهُ ( القرآن ) لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ » .
الملفت للنظر هو أنّ ملك الوحي قد تمّ وصفه بوصفين « الروح » أي عين الحياة و « الأمين » إشارة إلى الأمانة التي هي أهمّ شرط للرسالة والتبليغ .
يستفاد جيّداً من مختلف الآيات والروايات أنّ ملك الوحي المأمور بإبلاغ الرسالة إلى نبي الإسلام كان اسمه جبرائيل ، في حين أنّه يظهر من ثالث آية من الآيات مورد البحث ، أنّ الملائكة ب « صيغة الجمع » كانوا أحياناً يؤمرون بإبلاغ الوحي الإلهي إلى الأنبياء ، يقول تعالى : « وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ » .
البشارة التي كان يحملها هذا الفريق من الملائكة هي البشارة بولادة إسماعيل وإسحاق ، إذ إنّ إبراهيم عليه السلام كان قد قضى كثيراً من عمره محروماً من الولد مع تمنّيه الذرّية لحمل لوائه .
كما كانت هنالك وظيفة أخرى للملائكة ذكرت في الآيات التي بعدها ، إلى جانب وظيفتهم الأولى في إبلاغ إبراهيم بالبشارة الإلهيّة ألا وهي تدمير مدينة قوم لوط وقلبها رأساً على عقب .
هنالك نوع آخر من أنواع الوحي ذكر في رابع آية وهو الرسالة التي كانت تصل إلى النبي عن طريق الرؤيا ، وهي « رؤيا صادقة » لا تتفاوت مع حالة اليقظة ، يقول تعالى : « قَالَ يَا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ » .
ونقرأ في الآيات التي بعدها أنّ إبراهيم عليه السلام استعدّ لتنفيذ هذا الأمر ، ولا يخفى أنّ هذه الرؤيا لو كانت مثل الرؤيا العادية لما أقدم إبراهيم عليه السلام على ذبح ابنه أبداً وهذا يكشف عن كونها وحياً إلهياً قطعيّاً .
نفحات القرآن — صفحة 268
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٦٨