تطويعها والتي تقيّد المقاتلين فتجعلهم وكأنّهم في قفص .
وهنا ملاحظة لابدّ وأن تؤخذ بنظر الاعتبار وهي أنّ داود عليه السلام حينما كان يلين الحديد بيديه كان يرجّح صناعة المعدّات الدفاعية على الهجومية كالسيف مثلًا .
على أيّة حال فمع أنّ عدم الإلمام بصناعة آلية دفاعية مهمّة ومصيرية ، في حروب ذلك الزمان لم يكن بتلك الأهميّة ، بحيث يحدث خللًا في دعوة النبي الدينية ، لكن اللَّه علّمه هذه الصنعة وبقيت رائجة بين الناس .
2 - نقرأ فيما يتعلّق بسليمان عليه السلام : « وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ » . ( النمل / 16 )
هذا في الواقع جزء من العلم العظيم الذي وهبه اللَّه لداود وسليمان ، والذي جاء في الآية السابقة : « وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً » .
بديهي أنّ الإطّلاع على منطق الطير ( محاورات الطيور ) بأي معنىً كان ليس من شروط النبوّة ، وفي نفس الوقت فالقرآن يصرّح بأنّ اللَّه تعالى كان قد وهب سليمان عليه السلام علماً كهذا ، بل أشار أيضاً في آيتين لاحقتين إلى معرفة سليمان بمنطق النمل : « حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ الَّنمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَايَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ » . ( النمل / 18 - 19 )
وكما نقرأ حوار سليمان مع الهدهد في الآيات اللاحقة كذلك : « وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ . . . » . ( النمل / 20 - 28 )
مع أنّ هناك أبحاثاً كثيرة تبحث في تفسير هذه الآيات ، أنّه هل لهذه الطيور كالهدهد والحشرات كالنمل ذلك المستوى من العقل والشعور ، بحيث تدرك مفاهيم الكلمات
نفحات القرآن — صفحة 171
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٧١