تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
ال « لبوس » يعني في الأصل كلّ أنواع الألبسة ، لكنّه استعمل هنا في خصوص ملابس المعركة كالدرع مثلًا ، ولكن بعض أرباب اللغة كابن منظور في لسان العرب وبعض المفسّرين كالمرحوم الطبرسي في مجمع البيان قالوا في ذيل هذه الآية : كلّ أنواع السلاح ( الأسلحة الهجومية والدفاعية ) ، إذ إنّه يصدق بحقّها استعمالها للدفاع في الحروب التي أشير إليها في الآية وإن كانت ظاهرة في الدرع كما هو واضح . ذكر بعض المفسّرين أنّهم وقبل داود عليه السلام كانوا يربطون بأبدانهم صفحات حديدية رقيقة لوقاية أنفسهم من ضربات الأعداء ، ( وأنّ هذا العمل كان شاقّاً وصعباً للغاية ، وأنّ أوّل من صنع الدرع من الحلقات الصغيرة المرتبطة ببعضها البعض هو نبي اللَّه داود الذي خطر على باله هذا الشيء بإلهام إلهي « 1 » . وقد ورد نفس هذا المعنى بتعبير أشمل في موضع آخر إذ يقول تعالى : « وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً » . ( سبأ / 10 - 11 ) « السابغات » جمع « سابغ » الذي يعني الدرع الكامل العريض بالضبط ، كما أنّ « إسباغ النعمة » يعني وفورها و « إسباغ الوضوء » يعني كثرة ماء الوضوء . « السرد » يعني في الأصل غزل الأشياء الخشنة ، وقد ورد في جملة « وقدّر في السرد » الأمر برعاية الأحجام الملائمة لحلقات الدرع وكيفية غزلها . وبهذا تبيّن أنّ اللَّه قد ألآن له الحديد بالإضافة إلى تعليمه لفنون غزل الدرع الكامل . هل كان الحديد يلين في يد داود كالشمع ؟ أم أنّ اللَّه قد علّمه طريقة إذابة الحديد وصناعة القضبان الحديدية الدقيقة والمتينة ؟ وبعبارة أخرى هل يمكن أن يكون لين الحديد في يده معجزة إلهية ، أم أنّ اللَّه علّمه الأسلوب الخاصّ لإذابة الحديد ، والذي لم يكن معروفاً حينذاك ؟ أيّاً كان فقد علّم اللَّه داود كيفية صناعة القضبان المناسبة واستبدالها بحلقات الدرع القويّة ونسجها ، وكانت نتيجة ذلك هي صناعة ثوب يسهل ارتداؤه مع مرونة حركته ، طبقاً لحركات بدن الإنسان وأعضائه ، لا كصفحات الحديد القويّة التي يتعذر
هامش
( 1 ) تفسير روح المعاني ، ج 11 ، ص 21 ؛ وتفسير في ظلال القرآن ، ج 5 ، ص 552 .
نفحات القرآن — صفحة 170 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي