تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
هذه العلوم ليست اموراً مرتبطة بالشريعة وأصول الدين وفروعه ، بل هي حقائق مرتبطة بتكوين الإنسان وحياته ، مثل تلك السفينة التي كانت لفريق من المستضعفين ، والتي خرقها الخضر ليحول دون غصبها من قبل الملك الظالم ، أو الشاب الذي قتله الخضر لأنّه سوف يكون سبباً في انحراف أبويه المؤمنين مستقبلًا ، أو الجدار الذي كاد ينقضّ حيث قام الخضر بترميمه حفاظاً على كنز الأيتام الموجود تحته . فالخضر كان يسعى دائماً بأسلوبه الخاصّ لمساعدة المظلومين والمؤمنين ، في حين كان تصرّفه هذا بنظر موسى خاطئاً وغير مطابق للموازين الشرعية ، وذلك بسبب عدم اطلاعه على بعض الحقائق التي كانت محجوبة عنه ، ولذا كان يغضب كثيراً حتّى أنّه نسي أكثر من مرّة عهده الذي أعطاه للخضر ، بعدم الاعتراض على ما يفعله قبل بيانها واعترض عليه بشدّة ، ثمّ اعتذر منه بعد التفاته إلى ذلك . هذه القصّة بكلّ نكاتها اللطيفة تؤكّد على حقيقة أنّ موسى عليه السلام كان بصدد تعلّم مثل هذه العلوم من الخضر عليه السلام بأمر من اللَّه ، في حين أنّ هذه العلوم لم يكن لها دخل في مسألة إبلاغ النبوّة ، بل تعتبر سبباً في تكاملها لأنّها تعني التعمّق في المسائل بشكل أكبر . ولو اعتبرنا الخضر نبيّاً ( نظراً لوجود الخلاف بين المفسّرين والمحدّثين حول نبوّته ) فسنصل إلى هذه النتيجة أيضاً وهي أنّ هناك علوماً لدى الخضر وراء علوم الشريعة ، وبديهي أنّ اطّلاع الأنبياء عليهم السلام على هذه الحقائق يعني أنّ اللَّه تعالى قد جهّزهم بعلوم كثيرة ، لتكون لهم قدرة أكبر على هداية الخلق ورسم الطريق لنيل المطلوب ، وإن كانت هذه العلوم بعيدة كلّ البعد عن الشروط القطعية للنبوّة .