تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
وهناك تفسير لطيف حول هذا الموضوع في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وذلك حينما سئل عن تفسير الآية : « رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لَايَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى » قال عليه السلام : « الملك ملكان ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس ، وملك مأخوذ من قبل اللَّه تعالى ، كملك آل إبراهيم وملك طالوت وذي القرنين ، فقال سليمان ( وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ) أن يقول إنّه مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس ، فسخّر اللَّه عزّوجلّ له الريح . . . وسخّر اللَّه عزّوجلّ له الشياطين . . . وعلّم منطق الطير ، ومكّن في الأرض ، فعلم الناسُ في وقته وبعده أنّ ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل الناس ، والمالكين بالغلبة والجور » « 1 » . والمراد من هذا الحديث هو أنّ سليمان عليه السلام لم يطلب حكماً محدوداً ، بل حكماً لا مجال فيه للقيل والقال والإتّهام بالزور والظلم ، ولذا فقد مزج اللَّه هذه الحكومة بالمعجزات العجيبة لإثبات كونها من عنده تعالى ، لا من الناس ولا عن طريق الظلم والغلبة « 2 » . الجواب الثالث : ما أُثير حول مقام عصمة سليمان عليه السلام هو ما جاء في نفس الآيات السابقة حيث يقول تعالى : « إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * ( الخيل الأصيلة ) - فَقَالَ إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّى ( إنّي أحبّ هذه الجياد في سبيل اللَّه ومن أجل الجهاد ، فبقي ينظر إليها . . ) حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ( يمسح عليها لأنّها لائقة للقتال ) » . ( ص / 31 - 33 ) طبقاً للمعنى المتقدّم الذي تبيّن من هذه الآيات ، لا يبدو هناك أي إشكال في عمل سليمان عليه السلام هذا ، فهو يعتدّ بقدرته العسكرية ويلتذّ بالتطلّع إلى الجياد المهيأة للجهاد ، ويأمر بردّها عليه ثانية لاعتزازه بها ، وهذه التصرّفات كلّها تبدو بشكل عام معقولة ومنطقية وإلهية . لكن البعض فسّر هذه الآية بشكل آخر واعتبرها كبداية للإشكال على سليمان ، وقال :
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 4 ، ص 459 ، ح 56 . ( 2 ) وبناءً على هذا التفسير فهناك جملة مقدرة في الآية تقديرها : وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي أن يقول ليس من عند اللَّه .
نفحات القرآن — صفحة 112 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي