الرجوع من الذنب ، ولكن رجوع العباد من الذنب يتحقق بترك الذنب والاعتذار ، أمّا رجوع اللَّه فيتحقق بإرجاعه لهم اللطف والرحمة اللتين منعهما عنهم بسبب اقترافهم ذلك الذنب المعيّن ، ولأنّ الرجوع هنايخص مقاماً عالياً وسامياً عُبّر عنه بكلمة ( على ) التي تستعمل في موارد العلو عادةً .
وذكر هذه الصفة ( توّاب ) بشكل صيغة مبالغة يشير أيضاً إلى هذه النقطة وهي : لو أذنب العبد وتاب مرّة أو مرّات ، ثم تراجع عن توبته فلا ييأس من عفو اللَّه ورحمته لأنّه تعالى توّاب أي ( كثير التوبة ) .
والأثر التربوي للتوبة غير خافٍ على أحد ، لأنّه لو كانت أبواب التوبة مغلقة في وجه العباد لكفى ذنب واحد لإقناطهم من اللطف الإلهي ، والرمي بهم في دوّامة ذنوبٍ أكبر ، أمّا عندما يُشاهدون هذا الباب مفتوحاً أمامهم ، وبحر الرحمة الإلهيّة واسعاً ( بحكم كونه تعالى توّاباً ) ، فسيندفعون إلى الرجوع من ذنوبهم وإصلاح وجبران ما صدر منهم ، ويُعَدُّ هذا بحد ذاته سُلَّماً للتكامل الإنساني .
ومن جهةٍ أخرى فانّها تعطي الناس هذا الدرس وهو أن لا يتشددوا تجاه أخطاء أصحابهم ، ويفتحوا أمامهم طريق العودة والإصلاح ، ويعطوا لغيرهم مايؤملونه من ربّهم ، أي العفو .
والتعابير الواردة في الروايات الإسلاميّة بصدد التوبة من الظرافة والجمال بحيث تجذب الإنسان إلى مثل هذا الخالق التوّاب ، وتوقدُ في قلبه جذوةَ العشق الإلهي .
ورد في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « إنّ اللَّه تعالى أشدُّ فرحاً بتوبة عبده مِنْ رجُلٍ أضَلَّ راحلَتَهُ وزادَهُ في ليلةٍ ظلماءَ فَوجَدَها » « 1 » .
وفي حديثٍ آخرَ عن النبي صلى الله عليه وآله وصف به التوبة بأنّها أحبُّ الأعمال إلى اللَّه تعالى حيث قال : « وليس شيء أحبُّ إلى اللَّه من مؤمنٍ تائبٍ أو مؤمنةٍ تائبة » « 2 » .
هامش
( 1 ) أصول الكافي ، ج 2 ، ص 435 باب التوبة ، ح 8 .
( 2 ) مستدرك الكلام البحار ، ج 6 ، ص 21 ، باب التوبة وأنواعها ، ح 15 .