تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
أمّا الآية الثالثة ، فبعد أن أشارت إلى يوم القيامة قالت : « وَعَنَتِ الوُجُوُهُ لِلْحَىّ اْلقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً » . « عَنت » : من مادّة ( عَنْوة ) وقد وردت بمعنى الخضوع والذلة ، لذلك يُطلق على الأسير « عاني » ، لأنّه ذليل وخاضع بيد الآسِر . وقد نُسب الخضوع والذل هنا للوجوه ، لأنّ الوجه أشرف عضو في الإنسان ، علاوة على أَنّ ردود الفعل النفسيّة ومن جملتها الخضوع تظهر على وجه الإنسان قبل كلّ شيء . والتأكيد على صفتي ( الحي ) و ( القيوم ) في مسائل عالم الآخرة يُعَدُّ إشارةً لطيفةً إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ حياة اللَّه تعالى الخالدة وقيمومته الشاملة ستظهر وتتجلّى في ذلك اليوم بصورة أفضل ، وسيتجلّى أيضاً ضعف الإنسان وعجزه واحتياجه للذات الإلهيّة المقدّسة بصورة أوضح . لأنّ جميع الناس قد بُعثوا بعد موتهم وقد يظهر عليهم العجز والضعف والحاجة إلى لطف اللَّه تعالى في تلك المحكمة الإلهيّة العظيمة . وأمّا الآية الرابعة فقد وصفت الباري سبحانه وتعالى بالوجود الحي الذي لا يموت أبداً ، وأمرت الرسول بالتوكُّل عليه حيث قالت : « وَتَوَكّلْ عَلَى الحَىِّ الَّذِى لَايَمُوتُ » . وبديهي أنّ الإنسان المؤمن بامتلاكه لهذا الأساس المتين سوف لا يخشى من أي أحد ، ولا يهاب ، أو يستوحش من أي حادثة . يتّضح هُنا أنّ هذه الآية مع أنّها تبيّن أصلًا عقائدياً ، فهي ذات مردودات أخلاقية وعمليّة في نفس الوقت ، وتقوّي أُسس التوكُّل في روح الإنسان وقلبه . وفي الآية الخامسة والأخيرة نلاحظ انعكاس نفس هذا المعنى والمفهوم بمردودات عمليّة وأخلاقيّة أُخرى ، قال تعالى : « هُوَ الْحَيُّ لَاإِلَهَ إِلّا هُوَ » ، ولأنّه كذلك « فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » .