يظهر من لحن الآية - كما قال الفخر الرازي في تفسيره أنّها تُفيد الحصر « 1 » ، أي أنّ الحي حقيقةً هو اللَّه وحده ، وإن كان للآخرين حياة فهي زائلة ومقرونة بالموت التدريجي ، ولذلك ليست لهم اللياقة للُالوهية والمعبوديّة ، ومن هنا يتضح ضرورة الإخلاص له في الدين والعبادة ونفي كل أنواع الشرك عنه .
يستفاد من مجموع الآيات المذكورة أنّ وصف اللَّه عزّ وجلّ بالحياة الباقية لا يُقصد منه الحياة المشوبة بالموت والهلاك والفناء أو التغيُّر ، بل هي الحياة الملازمة لقيامه بذاته وقيام الموجودات الأخرى به ، الحياة التي تشع على المخلوقات ، وتلهم التوكُّل والإخلاص ، وبالنتيجة حياة تعطي درساً في التوحيد وتنفي كل ألوان الشرك .
توضيحان
1 - حقيقة الحياة
إنّ تقسيم الموجودات إلى قِسمين ، موجودات حيّة وموجودات ميّتة ، تقسيم يفهمه كُلّ واحدٍ من الناس مهما كان مستواه من الفهم والشعور ، لأنّه يرى بعينيه التفاوت الموجود بين الموجودات الحية والميتة ، ومع ذلك فقد عجز أذكى العلماء عن الإجابة عن هذا السؤال : ما هي حقيقة الحياة ؟ فهم يقرّون أنّ الحياة ظاهرة معقدة جدّاً وذات أسرارٍ لم يتوصل العلم والعقل البشري إلى أعماقها لحد الآن !
لذا يُعَدُّ خلق موجودٍ حيٍ ( وحتى خلية واحدة بسيطة لها أبسط صور الحياة ) عملًا شاقّاً ومعقّداً جدّاً بالنسبة للإنسان ، وقد طالع العلماء سنوات عديدة في هذا المجال ولا يزالون عاجزين عن القيام بذلك ، وعلى فرض أنّهم سيستطيعون يوماً ما وبإلاستعانة بوسائل وطرق طبيعية مختلفة خلق خلية حيّة من موادٍ طبيعيّة ميتة فسيواجهون العجز أيضاً في
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج 17 ، ص 366 ؛ وتفسير الكبير ، ج 27 ، ص 84 .