والجدير بالذكر هو كون الآية من « سورة الرحمن » التي يفيض محتواها بذكر النّعَم الإلهيّة المختلفة ، فهل إنّ مسألة فناء وموت الكائنات الحّية هي أيضاً من جملة النّعَم الإلهيّة ! ؟
نعم ، إنّها من النعم ، لأنّها من جهة تخلع عن الإنسان لباس الشرك وتدعوه إلى التوحيد الخالص وتُفهمه بأنّ المستحق للعبادة والألوهية هو ذات « ذو الجلال والإكرام » الباقية فقط ، لا الموجودات الفانية الزائلة . ومن جهة أُخرى تحذّر الإنسان ليستفيد من ساعات عمره بأفضل وجهٍ وأكمله .
ومن جهةٍ ثالثة تُعزّي الإنسان وتُصبّره لكي يقف أمام مصائب ومشكلات الدهر التي تواجهه في الحياة الدنيا من حيث كونها زائلة أيضاً ، ومن جهةٍ أُخرى فإنّ هذا الفناء مقدمة للبقاء وطريق الخلاص من سجن هذه الدنيا والانتقال إلى عالم الآخرة ونعيمها الذي لا يزول .
أمّا الآية الثالثة فقد وردت في ذيل قصّة إيمان سحرة فرعون وتهديد فرعون لهم بالقتل ، وهي ذات مفهومٍ عميقٍ وواسع ، حيث نقلت كلام أولئك السحرة الذين آمنوا وقالوا لفرعون :
« إِنَّا آمَنَّا بِرَبَّنا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرهْتَنَا عَليهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى » .
« البقاء المطلق » : يعني الأبدية ، وكما قُلنا سابقاً فإنّ « الأبديّة » لا تنفصل عن الأزليّة أيضاً .
ومن المسلَّم به أنّ أبديّة ذاته المقدّسة ملازمة لأبدية لطفه وإنعامه ، لذا فقد علم أولئك السحرة الذين آمنوا بوجوب ترجيح هذه النعمة الخالدة على النِعمِ الفرعونية الحقيرة الزائلة .
نفحات القرآن — صفحة 142
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٤٢