تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
يُسرٍ في جو السّماء لساعاتٍ وأحياناً لأسابيع ، وحتى أحياناً لعدة شهور بدون توقفٍ ، حركةً مرنة وسريعةً ، بنحوٍ تبرهن على أنّها لا تواجه مشكلةً في عملها . فيقول : « أَوَلَمْ يَرَوا الَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ » « 1 » . فلا أحد سوى الرحمن الذي عمَّت رحمتُه كلَّ شيء ، يستطيع أن يُمسكَهُنَّ هناك : « مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرحْمَنُ » . أجل . . اللَّهُ الذي منَحها كلَّ أدوات الطيران ، وعلَّمها طريقته وأسلوبه ، كما وضعَ قوانين وانظمةً تستفيدها فتحلّق بيسر وسهولة ، فهو العليم بحاجات كل الموجودات والبصير بكلِّ شيءٍ : « إِنَّه بِكُلِّ شَىءٍ بَصِيْرٌ » . وابتداءً من الذرات حتى المنظومة الشمسية ، والمنظومات الأخرى الجبارة ، ومن النباتات والحيوانات المجهرية ، حتى الموجودات العملاقة ، والكل يستمر في وجوده بتدبيره جلَّ وعلا ، التدبير الذي يُطلعنا في كلِّ مرحلةٍ منه على آيةٍ جديدةٍ من علمه وقدرته تبارك وتعالى ، وينفي كل أشكال الاحتمال بوجود الصدفةِ وقدرتها على الخلق ، ويملأ القلب بحبّه والإيمان به . ويُمكن أن يكون التعبير ب « صافاتٍ » و « يَقْبِضْنَ » إشارة إلى وضع الطير ، حيث يبسطنَ أجنحتهنَّ تارةً ، ويجمعنَها أخرى ، ويقدرنَ على الطيران من خلال هذين الفعلين ، ويرِدُ هذا الاحتمال أيضاً بأنْ يكون إشارة إلى صنفين من الطيور : الطيور التي غالباً ما تكون أجنحتها مبسوطة ، وتركبُ أمواجَ الهواء ، وفي نفس الوقت تسيرُ في كلِّ اتجاهٍ بسرعة ، فكأنّما هناك قدرةٌ خفيَّةٌ تُحركُها لا نراها بأعيننا ، والطيور التي تخفق أجنحتها باستمرار أثناء طيرانها ، ولبعضِ الطيور حالةٌ وسطٌ بين هاتين الحالتين أثناء الطيران « 2 » .
هامش
( 1 ) يقول بعض المفسرين لو تعدت « الرؤية » ب « إلى » فهي تعني الرؤية الحسّية ، وإذا تعدت ب « في » فهي تعني المشاهدة القلبية والمطالعة العقلية ( تفسير روح البيان ، ج 10 ، ص 91 ) . ( 2 ) لماذا جاءت « صافاتٍ » بصيغة الاسم الفاعل ، و « يقبضنَ » بصيغة الفعل المضارع ؟ وردت تفسيرات كثيرة أفضلها : يقال إنّه عند انبساط الأجنحة يأخذ وضع الطائر نسقاً واحداً ، بينما يتكرر رفيف أجنحته عند خفقانها ، وهذا ما يناسب الفعل المضارع ويكسبه صفة الاستمرارية . وذُكر تفسير آخر في « الكشاف » وأيده بعض المفسرين : بأنّ منشأ هذا التفاوت ينبع من أنّ الطيران هو الحالة الأصلية الأولى للطيور ، والحالة الثانية هي عرضية . غير أن الغموض يكتنف هذا التفسير .