ويقول في نهاية الآية : « وَاللَّهُ عَلِيْمٌ بِمَا يَفْعَلُوْنَ » .
فهو يعلم كل أعمالهم ونواياهم وجميع حاجاتهم ، وهنا لماذا استند في هذه الآية إلى بسط أجنحة الطيور فقط « صافات » ؟ لعلَّ السبب هو هذا الوضع العجيب والمدهش حيث تستطيع أن تتحرك في جو السماء بسرعة بدون تحريك أجنحتها كما أشرنا إلى ذلك سابقاً .
والاحتمال الوارد أيضاً هو أنّ الطيور تتحرك في السماء بشكلٍ جماعي بنحوٍ يبعث على الحيرة ، حركة هندسية منظّمة ، متناسقة تماماً ، وبلا قيادةٍ ظاهرةٍ .
وأشار في الآية الرابعة والأخيرة من البحث إلى مسألةٍ جديدةٍ أخرى من عجائب عالم الطيور فقال : « وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلَا طائِرٍ يَطِيْرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا امَمٌ أَمْثالُكُم » .
والتعبير ب « امَمْ » جمع « امهّ » يدللُ على أنَّ لها عقلًا واحساساً في عالمها ، والتعبير ب « أمثالكم » يؤكد هذا المعنى أيضاً ، لأنّها تشابه الإنسان في مسألة الإدراك والفهم والشعور ، وهذا تأكيد مجدد للتفسير الذي ورد في الآية السابقة ، بأنَّ لها تسبيحاً ودعاءً عن وعيٍ في عالمها الخاص بها « 1 » .
إنَّ القرائن المتوفرة لدى الطيور ، وباقي الحيوانات ، تؤيد بأنّها ذات ذكاءٍ وشعور .
لأنَّ : أولًا : الكثير من الحيوانات تعمل بمهارةٍ ودقةٍ في بناءِ بيوتها وجمع غذائها وتربية فراخها ، ورعايتها ، وسعيها لسد حاجات حياتها الأخرى بدقة ومهارة لا يُصدق معها ، صدور هذا العمل عن غير عقلٍ وشعور ؟ .
وهي تبدي ردود فعلٍ مناسبة إزاء الاحداث التي لا تمتلك تجربةً سابقةً حيالها ، فمثلًا نرى أنَّ الخروف الذي لم يَرَ ذئباً طيلة حياته له وعيٌ كاملٌ عن خطر هذا العدو ويدافع عن نفسهِ بكلِّ وسيلةٍ يستطيعها .
هامش
( 1 ) لقد اعطى المفسرون احتمالات كثيرة في تفسير تشبيهها بالإنسان حيث يبدو أنَّ ما أوردناه أعلاه أكثر تناسباً بالرغم من عدم وجود تعارضٍ بين هذه الاحتمالات . يراجع تفسير المنار ، ج 7 ، ص 392 ؛ وتفسير القرطبي ، ج 4 ، ص 2417 .