أولًا ، ثم تظهر في جوانبها خلايا الثمار والالياف واللب والفروع الجذّابة التي تغذيها .
وفي داخل هذه الثمار تكمُنُ هناك أعظمُ المختبرات الخفيّة التي تعمل باستمرار في صناعة المركبات الحديثة بمزايا جديدة ، وقد يَكون الثمر بلا طعمٍ في بداية الأمر ، ثم حامضي الطعم تماماً ، ثم يصبح حلواً ، وفي كلِّ وقتٍ يحدث فيها انشطارٌ وتفاعلٌ جديد ، كما تتغير ألوانها باستمرار وهذه من عجائب خلقِ اللَّه التي يدعو القرآن الكريم - لاسيّما في الآية الآنفة - الإنسان إلى التمعُنِ فيها .
وأشار في الآية السادسة من البحث في باديء الأمر إلى قطع الأرض المختلفة التي تملك قابليات متفاوتة لتربية أنواع الأشجار والنباتات وغيرها ، إذ يقول : « وفى الأَرْضِ قِطَعٌ مُتجاوِراتٌ » مع أنَّ هذه القطع يلتصقُ بعضها بالبعض الآخر ، فبعضها خصبٌ ومستعدٌ لأي شكلٍ من الزراعة ، وبعضها مالحٌ لا تنبتُ فيه سنبلةٌ أبداً ، وقد يناسبُ بعض هذه القطع زراعة الأشجار أو نوعٍ خاصٍ منها فقط ، ويناسبُ البعض الآخر نوعاً خاصاً من الزراعة ، وهذا عجيبٌ حيث تتفاوت الأراضي المترابطة بشكلٍ تستعد للقيام بواجباتٍ مختلفة .
وبعد ذِكر هذه المقدَّمة أشار إلى أنواع الأشجار والزراعات ، فأضاف قائلًا : « وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعنَابٍ وَزَرْعٌ ونَخيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ » . « أعناب » : جمع عِنَب وتعني الكَرْم و « نخيل » جمع « نخل » و « نخيلة » وتعني شجرة التمر ، وذكرهما بصيغة الجمع يُحتملُ أن يكون إشارة إلى الأنواع المختلفة للعنب والتمر ، لأنَّ لهاتين الفاكهتين مئات أو آلاف الأنواع المختلفة .
والتعبير ب « صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ » بالالتفات إلى أنَّ « صنوان » جمع « صنو » « وتعني الفرع الذي يخرج من البدن الأصل للشجرة » ، من الممكن أن يكون إشارة إلى قابلية الشجرة على تغذية الثمار المختلفة عن طريق التطعيم ، لهذا تظهر على أغصان شجرةٍ واحدةٍ لها ساق واحد وجذر واحد وتتغذى من ماءٍ وأرضٍ واحدةٍ أنواعٌ مختلفةٌ من الثمار ، وهذا من عجائب الخلقة .
نفحات القرآن — صفحة 253
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٥٣