تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
إنَّ عبارة « ما عَمِلَتْهُ أَيْديهِم » إشارة لطيفةٌ إلى أنَّ هذه الثمار الطازجة ، غذاءٌ كاملٌ مهيأٌ للأكل دون الحاجةِ إلى طبخهِ وإضافة المواد الأخرى إليه ، فليس للإنسان تدخلٌ في أصل وجودها ، ولا في اعدادها للأكل ، فعملُ الإنسان لا يتعدى نثرُ البذور وسقي الأشجار فحسب « 1 » . على أيّةِ حالٍ ، لم يكن الهدف من خلق كل هذه النِّعم المختلفة انهماك الإنسان بالأكل كالحيوانات ، وأنْ يقضي عمره على هذه الحال ، ثم يموت ويصبح تراباً ، كلا ، فالهدف ليس هذا ، بل إنّ الهدف هو أن يرى ذلك ويعيش في ذاته الشعور بالشكر ، ومن خلال « شُكر المنعم » يصل إلى معرفة واهب النِّعم حيث ينالُ اسمى المواهب وأرفع مراحل تكامل الإنسان . والمسألة الجديرة بالاهتمام في الآيات أعلاه هي انّها تضع الزوجية في عالم النباتات إلى جانب الزوجية في عالم الإنسان فتقول : « سُبْحَانَ الَّذِى خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ انْفُسِهِمْ ومِمَّا لَايَعْلَمُونَ » . فهذا التعبير دليلٌ على أنَّ الزوجيةَ هنا تعني جنس الذكر والأنثى ، ووجودها على نطاقٍ واسعٍ في عالم النباتات ، وهذا من المعاجز العلمية للقرآن الكريم ، لأنَّ هذا المعنى لم يكن آنذاك واضحاً لدى الإنسان بأنَّ هنالك وجودٌ لقوامِ الذكر والاجزاء الأنثوية في عالم النباتات ، وتنطلقُ الخلايا التي هي نُطَفُ الذكور لتستقر في الأجزاء الأنثوية وتتَلاقَح معها وتنعقد نطفةُ النبات . ويمكن أن تكون عبارة « ومِمَّا لا يَعلَموُن » إشارة إلى أنَّ مسألة الزوجية لها نطاق واسع ، وما أكثر الموجودات التي تجهلون وجود الزوجية فيها ، وسيزيل تطورُ العلم النقاب عنها ( كما ثبتت هذه المسألة في الذّرات حيث تتركب من قسمين مختلفين يكمِّلُ أحدُهما الآخر
هامش
( 1 ) وهذا في حالةِ كون « ما » في عبارة ( وما عملتهُ ) نافيةً ( وهذا هو الظاهر ) ، إلّاأنّهم احتملوا أن تكون موصولةً ، تلميحاً إلى الثمار التي تنتج عن طريق التطعيم والتي للإنسان دَخَلٌ فيها ، أو إلى المشتقات التي يأخذونها من الفاكهة كالعصير والخل التي تؤخذ من العنب والتمر ، وممّا لا شك فيه أنَّ المعنى الأول أكثرُ تناسباً .