فكيف يُمكنُ لمَن يملُك بصراً ويرى آثار قدرةِ وحكمةِ وعظمة الخالق في عَرضِ عالم الوجود ، ثمَّ يخضعُ تعظيماً لغيره ؟ !
ونواجه في هذه الآيات مرّةً أخرى التعبير ب « كُلِّ زَوْجٍ كَريْمٍ » بخصوص النباتات ، حيث يتحدث عن التنوع الضروري جدّاً للنباتات ، وعن الزوجية في عالمها ، ويُشعر سالكي طريق التوحيد بأهميّة هذا الموضوع .
لفظة « ظلم » لها معنى واسع حيث يشمل وضع اي شيء في غير محلّه ، وحيث كان المشركون يعتبرون تدبير الكون بيد الأصنام ، أو يتصورونها واسطةً بين المخلوق والخالق ويسجدون لها ، فقد ضلُّوا وارتكبوا ظلماً عظيماً ، ولهذا جاءت هذه الكلمة في الآية أعلاه بمعنى الشرك ، أو بمعنىً واسع حيث إنَّ الشركَ مصداقٌ واضح له .
لا يخفى أنّ عبارة « فأَروني » - في الواقع - جاءت على لسان النبي صلى الله عليه وآله ، وبتعبيرٍ آخر :
انَّهُ مكلَّفٌ بانَّ يقول هذه الجُملة للمشركين ، لانَّ الآراء للَّهلا يمكن أن يكون لها مفهوم .
ويقول بصراحةٍ في الجزء الرابع من هذه الآيات التي وردت في سورة يس : « وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرضُ المَيْتَةُ أَحيَيْناها » .
وفي الحقيقة أنَّ مسألة الحياة من أهم أدلَةِ التوحيد ، سواء كانت في عالم النباتات ، أم الحيوانات والبشر ، أنّها المسألة الغنيةُ بالأسرار والمدهشةُ التي حيَّرت عقول كبار العلماء ، ومع كل النجاحات التي حققها الإنسان في مختلف الحقول العلمية ، لم يفلح أيُّ شخصٍ من حلِّ لُغز الحياة حتى الآن ، ولا عِلْمَ لأيأحدٍ كيف وتحت تأثير أية عوامل تبدّلت الجمادات إلى كائناتٍ حَّيةٍ ؟ !
ثمَّ أشارَ خلال بيان مسألة احياء الأرض الميتة ، إلى إنماء المحاصيل الغذائية ( كالحنطة والشعير والذرة و . . . ) ، وبساتين العنب والنخيل النظرة ، وتكوين ينابيع الماء الصافي ، وقال في الختام : « لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ومَا عَمِلَتْهُ أَيْديهِمْ أَفَلا يَشكُرُونَ » .
نفحات القرآن — صفحة 249
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٤٩