حسنا ولهم في الآخرة أجر كبير ، فان تنسيق الايمان وتنظيم أصوله وفروعه في الدنيا على وجه ينتج التبوّؤ في الدنيا والتسلّط على الأرض بحكومة الحق وإقامة العدل ، وفي الآخرة يورث أجرا كبيرا لا يمكن إلا بالمجاهدة في سبيل الله ونشر معارفه وإقامة حدوده ، وعند عدم التمكّن فالهجرة إلى دار الايمان والاتصال بالمؤمنين في إعلاء كلمة التوحيد أولى .
وحيث أنّ الوصول إلى ذلك المقام مطلوب على وجه الوجوب بمرتبة إقامة الواجبات والاستحباب في ما دونها ، فيجب المهاجرة إذا ظلموا في بلدهم وفتنوا فيه ، والصبر في سبيل ذلك على المشاكل والمشاق والتوكل على الله تعالى في طريق التقدّم والنصر ، دون تحمّل الظلم وتسليط العدو وتقوية الحاكم الجائر والمنظمات الخائنة ، ولو بالسكوت والمداهنة ، فإذا قتلوا أو ماتوا في سبيل الحق
لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
( الحج [ 22 ] الآية 59 و 58 ) ويرجح في بعض المراتب .
الرابعة : قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ .
( النحل [ 16 ] الآية 110 )
الآية المباركة في سياق الآية السابقة ، فهي تفيد ان الله تعالى مع الذين
هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
، وهو تعالى لهم ومعهم لتركهم بلاد الكفر والفساد ، وتوجههم إلى مواضع الايمان والصلاح ، فلم يتحمّلوا الظلم والطغيان بل جاهدوا في سبيل الله ضدّ الطغاة والظلمة وصبروا على مشاق ذلك ، وهو تعالى ناصرهم ومؤيدهم حتى يبوّئهم في الدنيا مبوأ حسنا ولهم في الآخرة أجر كبير ، فتدلّ على أن ذلك مطلوب مرغوب لا لنفسه بالذات ، بل لإقامة الحق واعلاء كلمة التوحيد ، فتجب في مرتبته وتستحب في الأخرى .
وفي المقام أيضا آيات تدل على أن للهجرة اثرا بالغا في السعادة والتوفيق في