بالهجرة ، ولا يكفي صرف قبول الاسلام بقول الشهادتين لدخوله في جمع المؤمنين ما لم يهاجر ، وان الولاية تكون بين
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وبين
الَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
المجاهدين وهم المؤمنون حقا ، فليس لهم تلك الولاية حتى يهاجروا ، ونفي ذلك يساوق نفي الايمان عنهم بتركهم الهجرة ، فان المؤمن الذي لم يعد من جمع المؤمنين ولم يكن جزء منهم ولا من مجتمعهم ، فلم يكن بينه وبينهم الولاية والتدافع والتناصر على الحق وتوسعة الأمر وترويج الشرع ، فليس بمؤمن حتى يهاجر ويتصل بالجمع ويشدّ ببعضه الآخرين ليكونوا كالبنيان الواحد المرصوص ، فيؤثّر في جماعة المؤمنين ويقوّي حياتهم ويكون من المؤمنين حقا ، فقد قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
( الأنفال [ 8 ] الآية 74 ) ، فجعل سبحانه لكل من الهجرة والمجاهدة دخلا في صدق الايمان بحق وكونه منهم كما جعل للايواء وتبوّأ المهاجر ونصرته سهما .
وحينئذ فدلالة الآية المباركة على وجوب الهجرة فيما إذا لم يتمكّن في بلده من الاتصال بالمؤمنين وإيتاء الشعائر الدينية ظاهرة ، إلا أن يكون لبقائه في بلد الكفر أثر أرجح من تبليغ الحق وترويج الدين مع عدم الافتقار إليه في دار الايمان ، فان ذلك أيضا جهاد في سبيل الله تعالى بوجه « 1 » .
الثالثة : قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ .
( النحل [ 16 ] الآية 41 و 42 )
تصرّح الآية المباركة بأن المهاجرين هم الذين يبوّئهم الله في الدنيا مبوّأ
هامش
( 1 ) - فيخصص اطلاق قوله تعالى :وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا( الأنفال [ 8 ] الآية 72 ) بذلك عقلا كما هو ظاهر من غرض الهجرة .