فإذا أحسّ المنع والمحدودية يكافح المانع ويعارضه بطبعه وسيرته وسلوكه ، فإذا انتهى به الأمر إلى عدم تمكّنه من القيام بشيء ، يخرج عن بيته مهاجرا إلى الله وإلى الخير والحق ، حتى ينتهي إلى بلد يحسّ فيه الراحة والحرية والتمكّن من العمل .
والأمر في ذلك على السواء بين حياة الفرد والمجتمع ؛ والاسلام بنظرته الثاقبة يرى الهجرة واجبة فيما يتوقف عليها واجب ، وراجحة في الراجح ، وذلك من مراتب الجهاد في سبيل الله واعلان شعائره تعالى .
وفي باب الهجرة آيات :
الأولى : قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا .
( النساء [ 4 ] الآية 97 و 98 )
الآيات المباركات تفيد عدم تمامية استدلال الظالمين أنفسهم بانحرافهم عن الحق وابتلائهم بالباطل بالضعف ، فكيف باستضعافهم الآخرين ، فيقال لهم :
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
حتى تتمكّنوا من إيفاء الحق والاتيان بما أمر الله تعالى به ، وما يدركه عقلكم الفطري الانساني من اكتساب الحسنات وترك السيئات ، فقد قال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( الشمس [ 91 ] الآية 8 و 7 ) فأولئك بظلمهم أنفسهم ، وتركهم الهجرة ، وبقائهم في بلاد لم يتمكّنوا من إقامة العدل وأداء الوظيفة « 1 » ، مأواهم جهنم وساءت مصيرا . وإذا كان ترك أمر يوجب نار جهنم وتصليتها ، اذن فيجب فعله . وصدق الظلم بالنفس لا يكون بإطلاقه إلا في ترك الواجب ، أو فعل المحرّم ، فإذا اقتضى البقاء في بلد ذلك يجب الخروج والهجرة عنه ، وفي ترك الراجح وفعل المرجوح يرجّح .
هامش
( 1 ) - لتسلّط الجبابرة وصيرورتهم مستضعفين بأيديهم .