تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
يدلّ على أنّ الوسيلة هي أعلى درجة في الجنّة ، فاجتمعت العلّتان الفاعليّة والغائيّة في هذا الأمر ، وهو يدلّ على أنّه من الأهميّة بمكان عظيم ، فإنّ فيه تظهر العبوديّة وتتحقّق الطاعة المطلوبة ، وهو الطريق الموصل إلى اللّه تعالى والصراط المستقيم ، وبه يستعدّ ويتهيّأ لنيل الفيوضات الربانيّة والواردات الإلهيّة ، وهو الملجأ القويم في التخلّص من مكائد الشيطان ووساوسه ، وهو المنجاة من سخط اللّه تعالى وعذابه ، وهو الركن الوثيق الذي تركن إليه النفس الإنسانيّة عند تزاحم الصوارف وتوارد الهموم والغموم . وبالجملة : فهو الكمال الذي ينشده الإنسان ويسعى إليه ، بل هو الجامع لجملة من الكمالات الواقعيّة . ولم يبيّن عزّ وجلّ في هذه الآية الشريفة كيفيّة الابتغاء ، ولا خصوصيات الوسيلة ، ولعلّ السرّ في ذلك واضح ، فإنّ فطرة كلّ مخلوق تدعو إلى التوجّه إلى خالقه والتوسّل إليه بكلّ ما أمكنه من الوسائل والعلل لنيل مقصوده ، فكلّما صفت الفطرة وخلصت النية من الشواغل الماديّة والصوارف الشيطانيّة ، كانت الوسيلة أنجح وأدلّ على المطلوب ، وقد ذكر في الكتاب والسنّة التأكيد على بعض الوسائل ، منها : العبادات ، وأعظمها الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر . قال عزّ وجلّ من قائل :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
[ سورة البقرة ، الآية : 45 ] . ومنها : الدعاء الذي هو من أعظم الوسائل إليه عزّ وجلّ ، قال تعالى :
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ
[ سورة الفرقان ، الآية : 77 ] ، وفي الحديث : « الدعاء سلاح المؤمن ، وعمود الدين ، ونور السماوات والأرض » ، وتقدّم في بحث الدعاء ما يتعلّق به . ومنها : الصدقات الواجبة والمندوبة ، ماليّة كانت أو غيرها ، التي حثّ الشرع المبين وأكّد عليها تأكيدا بليغا . قال تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً
[ سورة البقرة ، الآية : 245 ] ، وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
[ سورة البقرة ، الآية : 217 ] .