تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
ومن العقل حكمه بالقبح ؛ لأنّه نوع من التعدّي على الغائب وظلم عليه ؛ لفرض أنّه يغمّه ويتأذّى لو سمع بذكر ما فيه . ويعتبر فيها أمور : الأول : وجود سامع بقصد إفهامه ، فلو لم يكن سامع لا تكون غيبة . الثاني : تعيين المغتاب وتشخيصه ، فلو قال : واحد من أهل البلد سارق ، لا يكون غيبة ، أو قال : أحد أولاد زيد جبان ، لا يكون غيبة ، أو قال : أحد أولاد الجار فاسق ، لا يكون غيبة وإن حرّم من جهة انطباق عنوان الهتك أو الإهانة بالانتقاص . الثالث : أن لا يكون المغتاب ( بالفتح ) داخلا في المستثنيات الّتي سنذكرها . الرابع : أن يكون المغتاب ( بالكسر ) جامعا لشرائط التكليف ، ولو فقد أحد هذه الشروط انتفى الحكم وإن تحقّق مفهوم الغيبة لغة في بعض الموارد . وقد استثنى من حرمة الغيبة موارد كثيرة مذكورة في كتب الفقه ، ولكن أهمّها هي : الأوّل : المتجاهر بالفسق ، فتجوز غيبته في العيب المتجاهر فيه - دون العيب المستتر فيه - إن قصد من غيبته ارتداعه عن فسقه بعد وصول الخبر إليه أو يحذّر الناس عنه ، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « اذكر الفاسق بما فيه كي يحذره الناس » ، فإذا علم أنّه لا يؤثّر فيه - كغالب الفساق الّذين انحرفوا عن الصراط المستقيم وران قلوبهم - ففي غيبته إشكال من إمكان شمول قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ سورة النور ، الآية : 19 ] ، ودعوى سياق الآية الشريفة في غير المورد تحتاج إلى دليل ، ومن شمول إطلاق بعض الروايات مثل قوله عليه السّلام : « من ألقى جلباب الحياء ، فلا غيبة له » إن لم يدع الانصراف عن المورد . نعم تجوز من جهة تحذير الناس في عدم وقوعهم في المهالك . الثاني : الظالم لغيره ، فيجوز للمظلوم غيبته في ظلمه للانتصار وبلا تعدّي ؛
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 99 | السيد عبد الأعلى السبزواري