تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
ولا فرق في الغيبة بين أن يكون بقصد الانتقاص أو لم يكن كذلك لإطلاق ما يأتي من الأدلّة ، كما لا فرق في العيب المستور بين أن يكون في بدنه ، أو في خلقه ، أو في نسبه ، أو في قوله ، أو في دينه ، أو دنياه . وسواء كان الذكر بالقول أو الكتابة أو بالحكاية بوجود العيب في الشخص المغتاب ( بالفتح ) ، كالإشارات والتمثيليات ، ففي جميع ذلك تتحقّق الغيبة . وتدلّ على أنّها أم الرذائل الأخلاقيّة ومن المعاصي الكبيرة الأدلّة الأربعة : فمن الكتاب قوله تعالى :
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
[ سورة الحجرات ، الآية 12 ] . فشبّه سبحانه وتعالى لما يناله المغتاب ( بالكسر ) من عرض المغتاب ( بالفتح ) بأفحش وجه كما هو معلوم . وقال تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
، أي : الّذي لا يبالي بالغيبة وهتك أعراض الناس . وقال تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
، فإنّ الجهر بالسوء سواء كان أمام الطرف أو خلفه مبغوض عند اللّه تعالى ، وإنّ إطلاق السوء فيها كما يشمل الغيبة والبهتان يشمل الكذب ، بل يشمل ترك التقيّة المكلّف بها أيضا ؛ فإنّه سوء للعامل أو الفاعل . ومن السنّة روايات كثيرة بلغت حدّ التواتر ، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « من اغتاب امرءا مسلما بطل صومه ونقض وضوؤه وجاء يوم القيامة تفوح من فيه رائحة من الجيفة يتأذّى بها أهل الموقف ، وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرّمه اللّه تعالى » ، المحمول في بطلان الصوم ونقض الوضوء على المرتبة النازلة من الكمال ، أو على الاستحباب بالقضاء أو التجديد ، والمراد من الاستحلال عدم المبالاة في ارتكاب الغيبة . وعن الصادق عليه السّلام : « الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه » ، إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في كتب الأحاديث . ومن الإجماع ما هو مسلّم بين المسلمين بجميع مذاهبهم ، بل عدّ حرمتها من الضروريات الدينيّة .