تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
[ سورة البقرة ، الآية : 165 ] ، وذكرنا في ضمن تفسيره بحثا عرفانيا يتعلّق بالحبّ . ومادة ( جهر ) تدلّ على الظهور والبروز بوضوح ، وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في ما يقرب من ستة عشر موضعا ، استعملت جميعها في هذا العالم وليس لها حظ في الآخرة ، ومتعلّقها إمّا حاسة البصر ، كما في قوله تعالى حاكيا عن اليهود لموسى عليه السّلام :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
[ سورة البقرة ، الآية : 55 ] ، وقوله تعالى حاكيا عن أهل الكتاب :
فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
[ سورة النساء ، الآية : 153 ] ، أو حاسة السمع كما في قوله تعالى :
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ
[ سورة الرعد ، الآية : 10 ] ، وقوله تعالى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها
[ سورة الإسراء ، الآية : 110 ] ، ولعلّ أشدّها ما ورد في قصة نوح عليه السّلام ، قال تعالى حاكيا عنه
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً
[ سورة نوح ، الآية : 9 ] . ويستفاد منه أنّ الإعلان خلاف الإسرار ، فيكون الإجهار خلاف الإخفات ، وقد يستعمل خلاف الإسرار أيضا ، ومنه الحديث : « كلّ أمتي معافي إلّا المجاهرين » ، وهم الّذين أظهروا المعاصي وكشفوا ما ستر اللّه عليهم منها . والسوء : هو كلّ ما يغمّ الإنسان ، سواء كان من الأمور الدنيويّة أم الأخرويّة ، نفسيا كان أو بدنيا خارجيا كان ، مثل فوت مال ، أو شأنيا كفوات جاه أو فقد حميم ، والسوء من القول كلّ ما يسوء المقول فيه فيشمل السبّ ، والقذف ، ثم عمّم « السوء » أو حكمه حتّى يشمل الغمز واللمز والاتّهام بالسيء من الصفات والأعمال ، والبهتان ، وإلصاق العيوب وكلّ ما ليس في الطرف الآخر ، والدعاء عليه ونحو ذلك ممّا يسيئه ، وهو يختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأقوام ، فربّ سئ في عصر ومصر أو عند قوم لا يكون كذلك عند غيرهم . ولعلّ التعبير وعدم ذكر الخصوصية في المقام ، ليشمل الجميع وكلّ ما ينطبق عليه السوء من القول عرفا ، والتقييد بالقول من باب الغالب .
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 87 | السيد عبد الأعلى السبزواري