تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
الرابع : جملة كثيرة من الروايات الّتي تدلّ على أنّ عيسى عليه السّلام لم يمت وسيعود إليهم فيؤمن به أهل الكتاب ، ويأتي نقل بعضها في البحث الروائي إن شاء اللّه تعالى . الخامس : أنّ هذا المعنى يجمع القولين المزبورين ، فإنّه يدلّ على أنّ كلّ أحد من أهل الكتاب يؤمن بحقيقة عيسى عليه السّلام قبل الموت وإزهاق روحه وإن كان إيمانه اضطراريا لا ينفعه ، لانقطاع التكليف حينئذ - كما عرفت - وهو مفاد القول الأوّل ، كما يدلّ على أنّ عيسى عليه السّلام لم يمت وسيعود ويؤمن به من كان حيّا من أهل الكتاب قبل موته عليه السّلام ، وهذا هو مفاد القول الثاني . وهذا المعنى الّذي استظهرناه يدلّ على إيمانهم جميعا قبل موته عليه السّلام ، فمن كان حيا عند نزوله ، فإيمانه مبني على اختياره ، وإلّا فهو يؤمن به عند موته لانكشاف الحقائق حين الموت ، ففي الحديث : « الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا » ، أي : إذا قرب خروج الروح تظهر الحقائق وتنكشف الواقعيات فيندم على ما فعل وقصّر ، ولكن لا ينفعه الندم . ثمّ إنّه يمكن أن يستشكل على هذا المعنى بوجوه ، منها : ما تقدّم في القول الثاني وقد أجبنا عنه . ومنها : أنّ بعض الآيات المباركة الّتي وردت في مواضع متفرّقة ربما يستفاد منها خلاف ذلك ، فإنّ قوله تعالى :
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
يدلّ على أنّ غلف القلوب هو نقمة عظيمة كتبها اللّه تعالى عليهم ، لسوء أفعالهم وقبح صفاتهم وفساد أخلاقهم كما عرفت في تفسيره آنفا ، فلا يؤمن هذا الجمع بما هو جمع إلى يوم القيامة . ولكن ذكرنا سابقا أنّ هذه الآية الشريفة لا تدلّ على انتفاء الإيمان منهم البتة ، بل الإيمان يتحقّق منهم ولو كان المؤمنون قليلا من كثير ، يضاف إلى ذلك أنّ قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
يدلّ على تحقّق