تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
الإيمان منهم قبل الموت ، سواء كان إيمانا مقبولا أم لم يكن بأن كان اضطراريا ، فهو يدلّ على وقوع أصل الإيمان منهم . كما أنّ قوله تعالى :
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
[ سورة آل عمران ، الآية : 55 ] يدلّ على أنّ من يكفر بعيسى عليه السّلام منهم من هو باق إلى يوم القيامة ، وإن كانوا مغلولبين من قبل المؤمنين به . ولكن الإنصاف أنّه لا يدلّ على بقائهم بعنوان كونهم أهل الكتاب وكافرين بعيسى عليه السّلام بالخصوص ، بل الآية الشريفة تدلّ على أن الّذين آمنوا بعيسى عليه السّلام سوف يكون لهم منزلة وشوكة بعد نزوله وإيمان الناس به واتّحاد الأديان كلّها في الاعتقاد ، وأنّهم فوق الّذين كفروا الّذين يعاندون الحقّ . كما أنّ الاستدلال بقوله تعالى :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
[ سورة المائدة ، الآية : 117 ] على بقاء الكافرين بعد توفي عيسى عليه السّلام غير وجيه ؛ لأنّ ظاهر الآية الشريفة تبيّن أنّه نبي مبعوث إلى الناس جميعا ، وأنّه منزّه عمّا نسب إليه ، سواء كان من اليهود أم النصارى أم غيرهم ، فهو بريء ممّا نسب إليه الناس مطلقا ، فتكون شهادته على أعمالهم جميعا ، ورقابته عزّ وجلّ بعد توفيه عليه السّلام لم تختص بأهل الكتاب بل الناس كلّهم . وأنّه سيبقى الكافرون لكن لا بعنوان كونهم من أهل الكتاب فقط . والمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الآية الشريفة في المقام بضميمة سائر الآيات الكريمة تدلّ على أنّ جميع أهل الكتاب بل جميع الناس سوف يؤمنون بعيسى عليه السّلام ، وأنّه حي لم يمت ويعود فيؤمن به الأحياء ، فتتّحد الأديان كلّها ، وأمّا من مات من أهل الكتاب قبل نزوله فإنّه يؤمن بحقّيته عند موته ، وتقدّم ما يتعلّق بعدم موت عيسى عليه السّلام في سورة آل عمران فراجع ، وسيأتي في البحث الروائي والتاريخي ما يتعلّق به . ثمّ إنّ الزمخشري ذكر في المقام أنّ الآية الكريمة يجوز أن يراد منها أنّه لا يبقى