تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
قوله تعالى :
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ
. غلف : جمع أغلف ، وهو الّذي عليه الغلاف ليمنع نفوذ الشيء إليه ، كغلاف السيف ، وقد ورد في وصف نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « يفتح قلوبا غلفا » ، أي : مغشاة مغطاة ، يقال : قلب أغلف ، أي عليه غشاء يمنع عن قبول الحقّ ونفوذه فيه . والمعنى : قلوبنا في أغشية تمنعها من قبول الحقّ وتأثير المواعظ فيها ونفوذ ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وآله إليها ، كما في قوله تعالى :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ *
[ سورة الأنعام ، الآية : 25 ] ، وما يحكى عنهم تعالى :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
[ سورة فصلت ، الآية : 5 ] . وذكر بعضهم أنّ المراد من الآية الشريفة أنّ قلوبنا في أوعية ، فلا حاجة بنا إلى علم جديد سوى ما عندنا وهو كاف . ولكن الوجه الأوّل أولى بقرينة سائر الآيات الكريمة الّتي حكي فيها حال أقوام آخرين مع الدعوة إلى الحقّ . والإباء عن الاستماع إلى الحقّ لا يصدر إلّا ممّن انهمك في العصيان واستولى عليه الفساد والطغيان ، ومن أخذته العزّة بالإثم فاستكبر عن قبول الحقّ ، وهذا مرض نفسي عضال أعيى الأنبياء عليهم السّلام عن علاجه ، وقد حكي عزّ وجلّ حال قوم نوح عليه السّلام من الدعوة وعدم قبول الحقّ ، فقال حاكيا عنه عليه السّلام :
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
[ سورة نوح ، الآية : 7 ] . وظاهر الآية الشريفة أنّ ادعاءهم ذلك ناشئ عن خلقتهم كذلك وإن قلوبهم خلقت مغشّاة بأغشية تمنعها من قبول الحقّ . وقد ردّ عزّ وجلّ عليهم بأنّ ذلك نشأ عن كفرهم وتمرّدهم على اللّه تعالى وانهماكهم في المعاصي وارتكاب الآثام فطبعت عليها . قوله تعالى :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
. ردّ لزعمهم الفاسد ، أي : أنّ إباءهم عن قبول الحقّ واستماع الدعوة لم يكن