تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
وَأَحِبَّاؤُهُ
[ سورة المائدة ، الآية : 18 ] ، وقال تعالى أيضا :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
[ سورة البقرة ، الآية : 135 ] . وهذه الآية الشريفة تشير إلى ما زعمه بعض المسلمين وأهل الكتاب على ما ورد في شأن نزولها - كما يأتي في البحث الروائي - وقد ردّ سبحانه وتعالى على جميع تلك المزاعم بأنّ الدين لا يقوم على الأماني ، وأنّها لا تؤثّر شيئا على الإطلاق ، بل الدين عقيدة وعمل ، وأنّ الجزاء العظيم الّذي وعده اللّه عزّ وجلّ لهم لا يمكن تحصيله بالتمنّي والغرور ، وأنّ اللّه تعالى لا يضيع عمل عامل منكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ . وهذه الآية الشريفة من الدروس التربويّة للمسلمين ، وقد كانت نبراسا لهم حين ما اعتقدوا بالإسلام ، بأنّه دين عقيدة وعمل ، وأنّه منهاج تربوي عملي ، جعلوه تطبيقا عمليا لكلّ ما تضمّنه من تعاليم وقيم ومبادئ وتوجيهات ، فكانوا على عزّ وشرف وساد الوئام والتآلف والتعاون بينهم ، ولم يكن لأحد فيهم مطمع إلّا بتبليغ دينه بالقول والفعل ، ثمّ لما حوّلوا دينهم إلى مجرّد التمنّي وخرجوا بذلك عن الدين الحقيقي ودخلوا في الغثاء الّذي تحدث عنه الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله ، اشتدّ الخلاف بينهم وضعفت مكانتهم ونزل قدرهم وطمع فيهم أعدائهم ، ووصلوا إلى ما هم عليه الآن من التفرقة والتشتت والخلاف ، فلم يبق من الإسلام إلّا اسمه ومن الكتاب إلّا رسمه ، ولن يعودوا إلى مكانتهم ووضعهم الّذي أراده اللّه تعالى ورسوله الكريم صلّى اللّه عليه وآله إلّا بالخروج عن هذا التمنّي والدخول في الدين الحقيقي والواقع العملي المحسوس . والأماني في قوله تعالى :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ
تقرأ بالتشديد والتخفيف ، وهي جمع أمنية على أفعولة ، وهي الصور الخياليّة الّتي تحصل في النفس وتستلذّ بها كلّما ذكرتها ، وإنّها قد تكون عن تخمين وظنّ وقد تكون عن روية وأصل ، ولكن لما كان أكثرها عن تخمين وظنّ صار إطلاقها أكثر على ما لا حقيقة