تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
ولم تكن الآيات الشريفة الأخيرة في سورة آل عمران ببعيدة عن الأذهان ، حيث يبيّن عزّ وجلّ فيها المنهاج الّذي لا بدّ أن نتبعه ، فقال تعالى :
أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
، وفي هذه الآيات الكريمة تأكيد جديد ودرس عملي لنبذ كلّ تمن فارغ عن العمل وتفاخر وتفاضل يوجب البعد والبغضاء ، فإنّ الجزاء حاصل لا محالة ، وكلّ من عمل سوءا يجز به ولا يجد من دون اللّه وليّا ولا نصيرا ينصره من العذاب ، ومن يعمل الصالحات فسيجد الجزاء الأحسن ، وهذا هو الدين ، فلا بدّ من التسليم الكامل والإحسان والعمل واتّباع ملّة إبراهيم عليه السّلام ، الّتي حفظت في جميع الأديان الإلهيّة وعند مشركي العرب ، وهي ملّة محمد صلّى اللّه عليه وآله ، فكانت صلة بين جميع من ذكر ، واللّه تعالى محيط لا تخفى عليه خافية وله ما في السماوات والأرض .

التفسير

قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ

. تأكيد لما ذكره عزّ وجلّ في الآيات المباركة السابقة ، وبيان أنّه ليس لأحد كرامة على اللّه تعالى ولا حقّ له عليه جلّ شأنه ، إلّا باتّباع تعاليمه وتطبيق شريعته وتنفيذ أوامره ، وهذا هو الدين الّذي أنزله اللّه تعالى على جميع أنبيائه وأمرهم بتبليغه لعباده ، وليس هو أهواء وأمنيات وتشدّق بالكلام بأن يتفاخر كلّ واحد بأنّ دينه أفضل أو أكمل وأحقّ بالاتّباع ، فإنّ هذه كلّها أماني صوريّة لا حقيقة لها ، وهي بعيدة عن واقع الدين ؛ لأنّه تطبيق عملي لما وقر في القلب واستقرّ فيه ، وتلتقي جميع الأديان في هذا الأمر ، بلا فرق بين دين الإسلام وسائر الأديان الإلهيّة ، وقد حكي عزّ وجلّ بعض صور التفاخر في مواضع أخرى من القرآن الكريم ، قال تعالى محكيا عن أهل الكتاب :
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ