تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
المستقيمة تقتضي الهداية إلّا أنّ سبل الشيطان تعيقها وتحرفها عن التوجّه إلى خالقها ، المعبّر عنه بشرف العبوديّة . وهذه الأسباب تؤثّر كثيرا في الإنسان على نحو يبعده عن الصراط المستقيم ، ولا تؤثّر فيه الحجج والبراهين وذلك باختياره ، فيصل إلى مرتبة أسفل السافلين بالمراحل المذكورة في الآيات المباركة . وقد لا يكون كذلك ، وإنّما يكون للقلوب إقبال وإدبار ، وتملّ كما تملّ الأبدان ، وهذا حسب درجات الإيمان ، كما هو المشهود في المؤمنين ، وقد لا تؤثّر فيه أصلا كما في المعصومين من الأنبياء والأولياء وكمّل الإيمان من العرفاء ، وعن سيد العارفين وإمام الموحّدين عليّ عليه السّلام مخاطبا الدنيا : « غرّي غيري » عندما تمثّلت عنده ، وغيره من الروايات الواردة عنه عليه السّلام . وأسباب الغواية والضلالة الّتي هي من الشيطان محدودة ، بخلاف سبل الهداية إلى اللّه العظيم ، فإنّها من مظاهر صفاته العليا ، وهي غير محدودة فلا يكون التقابل بينهما واقعيّا . مع أنّ الفطرة الخالصة الّتي خلقها اللّه تعالى تقتضي الهداية أيضا ، كما أنّه جلّ شأنه يحبّ خلقه ولا يرضى لهم العذاب ، قال تعالى :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
[ سورة النساء ، الآية : 147 ] ، وأنّه غني ذاتا وصفات ، وأنّ الخير وأسبابه منه تعالى وإليه عزّ وجلّ ، فلا بدّ وأن تكون غير محدودة لأنّها من مظاهر صفاته . وقد ذكر سبحانه وتعالى في الآية الشريفة أهمّ أسباب الغواية من الوعد والأمنيّة ، وأنّ الأثر المترتّب على تلك الأسباب ليس إلّا الخسران ، سواء كان خسران الجنّة ونعيمها ، أم خسران المعارف الإلهيّة والحظوظ السعيدة ، أم خسران شرف العبوديّة ، أم خسران الآلاء والنعم ، أو خسران اللقاء الّذي هو من أعظم الخسائر ، كما عن علي عليه السّلام : « هبني صبرت على حرّ نارك ، فكيف أصبر على فراقك » ، وعن بعض العرفاء : « أعظم الخسائر من فاته اللقاء » ، فقد خاب من أحبّ
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 306 | السيد عبد الأعلى السبزواري