صدورنا أن نشهد أنّك لرسول اللّه ، فلسنا معكم ولا مع قومنا عليك ، قال : قلت :
كيف صنع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ ! قال : وادعهم إلى أن يفرغ من العرب ثمّ يدعوهم فإن أجابوا وإلّا قاتلهم » .
أقول : الرواية من باب التطبيق ، وإن المعاهدة الّتي قرّرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كانت ماداميّة لمصلحة هي أهمّ من مقاتلتهم ، كما مرّ في التفسير .
العياشي عن سيف بن عميرة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قوله تعالى :
يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ
قال : كان أبي عليه السّلام يقول : نزلت في بني مدلج اعتزلوا فلم يقاتلوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ولم يكونوا مع قومهم ، قلت : فما صنع بهم ؟ قال : لم يقاتلهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حتّى فرغ من عدوه ثمّ نبذ إليهم على سواء ، قال : و
حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ
وهو الضيق » .
أقول : الرواية من باب التطبيق كما مرّ ، والمراد من قوله عليه السّلام : « ثمّ نبذ إليهم على سواء » ، خالفهم وجاهر معهم الحرب .
البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
قال : نسختها براءة
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
.
أقول : إنّ الأمر بقتل المشركين بعد إتمام الحجّة عليهم ، وإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يبتدأ بقتال أحد من المشركين إلّا إذا اعتدى المشركون على المؤمنين وتمّت الحجّة عليهم ، فليس المراد من النسخ معناه المصطلح ، بل هو نوع من التخصيص كما مرّ .
وفي تفسير القمّي عن الصادق عليه السّلام : « كانت السيرة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قبل نزول سورة البراءة ألّا يقاتل إلّا من قاتله ، ولا يحارب إلّا من حاربه ، وقد كان نزل في ذلك من اللّه سبحانه :
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا يقاتل أحدا قد تنحّى عنه