تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
لا غير ذلك ، يقول له : كن فيكون ، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ، ولا تفكّر ، ولا كيف لذلك ، كما أنّه لا كيف له » . أقول : ليس عليه السّلام في مقام بيان حقيقة الإرادة من حيث هي على نحو الحدّ المنطقي حتّى تكون إرادة الخالق مباينة مع إرادة الخلق من كلّ جهة ، وإنّما هو عليه السّلام في مقام التمييز بينهما في الجملة ؛ لأنّ الإرادة من الخلق كما نراها متقوّمة بالتفكّر والروية في المبدأ وفي الغاية . فالضمير في الخلق عبارة عن مقدّمات الإرادة التي تحصل في القلب ، وقوله عليه السّلام : « وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل » ، يمكن أن يستظهر منه أن الإرادة في الخلق هي فعلهم أيضا ، فالفرق بين الإرادتين إنّما هو في المقدّمات لا في نفس الإرادة من حيث هي ، وقوله عليه السّلام : « فإرادته إحداثه » ، أي : أنّ إرادته تعالى إنّما هي نفس الفعل ، وهي ما قلناه في إرادة المخلوق ، ولكن التفرقة في المقدّمات . ويظهر ذلك بوضوح من نفي هذه المقدّمات عنه عزّ وجلّ ، ولكن ذلك لا يستلزم نفي الحكمة والعلم بالنسبة إلى المراد . ومنها : صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري ، قال : « قال الرضا عليه السّلام : المشيئة والإرادة من صفات الأفعال ، فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريدا شائيا ، فليس بموحّد » . أقول : هذا الحديث يدلّ على أنّ الإرادة والمشيئة هي الفعل ، وإنّما يفرّق بينهما بالجزئيّة والكلّيّة ، فالإرادة تتعلّق بالجزئيات والمشيئة تتعلّق بالكلّيات . وأمّا قوله عليه السّلام : « فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريدا شائيا فليس بموحّد » ، فلأنّه لو كانت المشيئة والإرادة في مرتبة الذات وهما يقتضيان المراد - لاستحالة تخلّف الإرادة عن المراد - فحينئذ لا بد من القول بالقدم الذاتي للأشياء فينتفي التوحيد مع أنّهما متجدّدان بالنسبة إلى الخلق في كلّ عصر وزمان ، فيلزم التجدّد في الذات والتغيّر والحدوث فيها ، وكلّها باطل بالضرورة . ومنها : صحيحة ابن أذينة عن الصادق عليه السّلام قال : « خلق اللّه المشيئة بنفسها ، ثم خلق الأشياء بالمشيئة » .