تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وفي الفلسفة الحديثة : أنّ الإرادة خاصيّة مستقلّة عن المؤثّرات والظروف الخارجيّة ، ولكن للفطنة والحكمة سلطة عليها ، التي تصدر الحكم الذي تبلّغه الإرادة إلى القوى الفاعلة ، فتكون الإرادة هي الأمر بالعمل أو النهي عنه . وهذه هي المسألة المعروفة التي ذكروها في علم الأصول ، وهي اتحاد الطلب والإرادة ، وسيأتي موجز الكلام فيها . فالإرادة : جهد نفسي وعملية ذهنيّة يقوم عليها الصمود ورباطة الجأش ، بل قال بعض الفلاسفة : إنّه لا إرادة حيث لا استطاعة . وقد ذهب بعض المادّيين إلى أنّ الإرادة ثمرة المعرفة والتجربة والتربية . وبعبارة أخرى : أنّ الإرادة الإنسانيّة ليست غير ما تمليه قوانين الطبيعة والمجتمع ، وهذه طريقتهم في تفسيرهم لكلّ الأمور في هذا العالم . وما أبعد مقالة هؤلاء عمّا يقوله بعض الفلاسفة الرواقيين من أنّها أساس المعرفة والسلوك ، ولكن لا يمكن إنكار تأثّر الإرادة الإنسانيّة بما يحيط بها من البيئة والمجتمع . والإرادة هي الدافع الرئيسي والعامل النفساني الأوّل في الفعل الإنساني وما يصاحبه من الانفعالات . وفي الإسلام تعتبر الإرادة من أهمّ مقومات الجزاء ، وهي محور الأخلاق والسلوك ، وسيأتي في بحث إرادة اللّه تعالى أنّ نظام الكون يتقوّم بإرادته عزّ وجلّ ، وحينئذ يحقّ لنا أن نقول إنّ أساس الكون هي الإرادة ، سواء إرادته عزّ وجلّ ، أم إرادة المخلوق في تنظيم النظام وصدور الأفعال . ولا بد لكل إرادة من متعلّق وهو المراد ، وبها يفترق العمل الإرادي عن اللاإرادي ، وتختلف الإرادة حسب اختلاف المتعلّقات ، فلا يمكن حصر أقسامها . ولكن ذهب بعض الفلاسفة إلى تقسيم الإرادة إلى أربعة أقسام ، التي هي أصول كلّ إرادة ، وهي : إرادة الحياة ، وهي الجهد الذي يبذله كلّ فرد للحفاظ على صورة الحياة ،