تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وفيه : أنّ كثرة الاستعمال لا تمنع من إرادة المعنى العامّ ، خصوصا بملاحظة عموم التعليل
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
. وعلى هذا ، يظهر فساد القول بأنّ الآية الكريمة نزلت لتحريم الخمر في حالة خاصّة وهي الصلاة ؛ لأنّ الخمر كانت من الأمور المتفشّية في المجتمع الجاهلي وفي عصر نزول القرآن ، وكانت ما تزال عالقة بقلوب بعض المؤمنين ، وفي مثل ذلك يحتاج إلى تدرّج طويل حتّى تمحى من النفوس . ولكن ذلك تطويل بلا طائل تحته ، إذ كم كانت من العادات السيئة العالقة في النفوس المستحكمة فيها قد ورد النهي الصريح عنها بلا إمهال وتدرّج ، منها قضية الألوهيّة والأخلاق الفاسدة ونكاح الأمهات والربا ، إلى غير ذلك من العادات السيئة والصفات الذميمة ، والخمر أيضا كذلك ، إلا أن يكون الخمر مختلفا عن غيرها ، كما قاله بعضهم ( من أنّ الخمر عادة نفسيّة وجسديّة واجتماعيّة ) ، ولكن ذلك لا يكون سببا للفرق ، فإنّ الكذب وسائر الفواحش أيضا كذلك إذا شاعت في المجتمع ، وإنّما ورد النهي المكرّر عن الخمر بالخصوص ؛ لأنّها أم الخبائث والسبب في إشاعة الفحشاء ، وقد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
[ سورة البقرة ، الآية : 219 ] فراجع . وقد تكلّف بعض المفسّرين في تنظيم الآيات المباركة الواردة في الخمر وربط بعضها ببعض . ومن ذلك يظهر بطلان ما ورد في شأن نزول هذه الآية الشريفة ، خصوصا الروايات المدسوسة المزيّفة ، وقد تكلّف مؤنة الردّ عليها شيخنا البلاغي قدس سرّه في تفسيره ( آلاء الرحمن ) ، فراجع . ثم إنّ بعض المفسّرين ذهب إلى أنّ المراد بالصلاة في قوله تعالى :
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
، مواضع الصلاة . أما بحذف المضاف ، أو بارتكاب المجاز تسمية المحلّ باسم الحال ، لكثرة وقوعها في المساجد ، أو سمّي المسجد بذلك