تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
زيارتهم لبيت اللّه الحرام وحجهم له ، فقد كانت الأسواق في الموسم تعقد للمفاخرة بين القبائل وكان يجري فيها ، التنابز بالألقاب والخصام والمراء ، وغير ذلك من المناهي المتعلقة باللسان فناسب ذلك النهي عن هذه الأمور في الحج وإلا فهي محرّمة في جميع الأحوال ، ولبيان أنّ الحج بطبعه لا يقبل هذه الأمور فإنّه السّفر إلى اللّه والإقبال عليه لغرض أسمى ، ولا تناسب بين ما كان كذلك وبين ما هو من شأنه البعد والفرقة والانفصال . قوله تعالى :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
. التفات من الغيبة إلى الخطاب والتكلّم لبيان كمال العطف والاهتمام والاقتراب إلى المتعبدين ، وفيه من الترغيب إلى فعل الخير ، كما أنّ في الآية من التذكير بأنّ أعمال العباد لا تغيب عنه عزّ وجل ، فإنّ ما يفعله الإنسان من الخير سواء في الحج أو في غيره يعلمه اللّه ويجازي عليه ، وهو الذي لا يضيع أجر المحسنين ولا يهمله عز وجل . وذكر الخير بالخصوص مع أنّه تعالى عالم بالخير والشر ، ظاهرهما وباطنهما كما في قوله تعالى :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة - 284 ] ، وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
[ النور - 29 ] ، إنّما هو للترغيب إلى الخير وحث الناس عليه ، فتكون إرشادا إلى مطلوبيته له تعالى ، مع أنّ ظاهر الحال والمكان يقتضي ذكر الخير ولو فرض وجود شرّ من المعاصي في البين فهو مضمحل في جنب ذلك الخير العظيم لغلبته عليه في تلك المشاعر العظام . والتصريح باسم الجلالة ليكون إثبات الشيء ببرهان . وفيه من التنبيه إلى أنّ الإنسان لا بد أن لا يفقد روح العمل ، وهي الحضور لديه عزّ وجلّ في جميع أفعاله ، وأنّه لا بد من التطابق بين العلم والعمل فإنّ أحدهما بدون الآخر لا أثر له في نظر القرآن . قوله تعالى :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
.
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 167 | السيد عبد الأعلى السبزواري