تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
ولكل واحدة من هذه القوى الثلاث آثارها وخصائصها ، وهي متباينة في صفاتها وذواتها ، ولكن من اجتماعها ينشأ الإنسان المفكر الدراك ، وباتحادها تنشأ وحدة تركيبية تصدر منها أفعال خاصة ، وبها يبلغ الإنسان إلى سعادته التي خلق لأجلها ، ووظيفته هي أن يحافظ على هذه الوحدة التركيبية ، وان لا تخرج قوة من هذه القوى الثلاث عن حد الاعتدال إلى حدي الإفراط أو التفريط ، وإنّ بذلك يصل إلى الغاية المرجوة من خلقه وهي السعادة الفردية والنوعية في الدنيا والآخرة ولأجل ذلك كان الإنسان أخلاقيا دون سائر الكائنات الحية . وعلم الأخلاق يبحث عن كيفية المحافظة على الحد الوسط التي هي الفضيلة والاجتناب عن طرفي الإفراط والتفريط اللذين هما الرذائل ، لتصدر منه أفعال يصل بها إلى السعادة المرجوة . الاعتدال في الأخلاق : ذكرنا أنّ وظيفة الإنسان - ككائن أخلاقي - هي المحافظة على حد الاعتدال لكل واحدة من القوى الثلاث المتقدمة . والمراد بحد الاعتدال - هو الوسط الأخلاقي - أي استعمال كل قوة على ما ينبغي ليجلب بها السعادة . وقد جعل العلماء حد الاعتدال في القوة الشهوية هي العفة ، والجانبين - الإفراط والتفريط - الشره ، والخمول . وفي القوة الغضبية الشجاعة والجانبين التهور ، والجبن . وفي القوة الفكرية الحكمة والجانبين الجربزة ، والبلادة . ثم قالوا إنّ في اجتماع تلك الملكات في النفس تحصل ملكة رابعة وهي العدالة والمراد بها هي وضع كل شيء موضعه الذي ينبغي له ، وبها يمكن الإنسان ان يحافظ على حد الاعتدال في القوى الثلاث ، فيخرج عن الظلم والانظلام . وهذه الأربعة هي أصول الأخلاق الفاضلة تكون نسبتها إليها كنسبة الجنس إلى النوع ، وهي كثيرة - كالجود والسخاء والقناعة والشكر والصبر ونحو ذلك كما هو مفصّل في كتب الأخلاق .