تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
موفقا بين رغباته وأحاسيسه وعواطفه ، فهي المقياس الحسي للفضائل يسهل معرفته لكل أحد ويسلم عن الخطأ والالتباس من دون أن يقع في متاهات النظرية الوسطية القديمة ؛ وهي العلة الغائية في السلوك الأخلاقي والعلة الفاعلية لاكتساب الفضائل وإزالة الرذائل . وأخيرا هي القاعدة العامة التي يمكن التوفيق بها بين سائر التكاليف ويجلب بها الكمال ، والدين الذي أمرنا باتباعه . وبها صارت هذه الأمة وسطا في جميع الشؤون . نعم لها مراتب ، كما تقدم سابقا ، ويأتي بيانها مفصلا .

طرق اكتساب الأخلاق الفاضلة :

ذكرنا أنّ الأساس الذي يبتني عليه الأخلاق في القرآن هو التقوى فإنّها الطريق إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة واكتساب الفضائل وإزالة الرذائل ، وتقدم أنّ التقوى هي الجهد التواصل من الفرد ، فلا تتحقق إلّا بالتواصل والعمل الدؤوب وتكرار الأعمال الصالحة لتتمكن الأخلاق الفاضلة في النفس ويتعذر إزالتها . وفي التقوى يرتبط العمل بالنية فكل ما كانت النية خالصة للّه تعالى خالية عن الأغراض الدنيوية ازدادت قيمة العمل وقرب إلى القبول وصلح للجزاء الأوفى . بل يعتبر القرآن أنّ الغايات المرجوة من الأعمال سواء كانت لجلب النفع ، أو لدفع الضرر هي نقص في مقابل الكمال المطلق ، قال تعالى :
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
[ سورة يونس ، الآية : 65 ] ، وقال تعالى :
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
[ سورة البقرة ، الآية : 197 ] ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تحصر الكمال فيه عزّ وجل . ولهذا الأمر أثر كبير في النفس حيث يجعل العمل خالصا لوجه اللّه منزها عن كل غاية من غير اللّه تعالى ، وأنّ الغاية هي اللّه تعالى والتخلق بأخلاقه ، وهذا مسلك جديد لم يكن معروفا من قبل نزول القرآن ويختلف عن سائر المسالك المتّبعة في تهذيب النفس بوجهين : الأول : أنّ في هذا المسلك يعد الإنسان إعدادا علميا وعمليا لقبول الأخلاق الفاضلة والمعارف الإلهية بحيث لا يبقى مجال للرذائل ، وفيه تختلف