تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦

التفسير

قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
. الأكل معروف ، والطيّب ( بالتشديد ) ما تستلذه النفس . وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة إلّا انه لم يرد فيه الطيب ( بالتخفيف ) . وهو في مقابل الخبيث وكل ما نهى عنه الشرع يكون خبيثا واقعيا وإن استلذته النفس ، فما هو في معرض أكل الإنسان على أقسام ثلاثة : الطيبات ، والخبائث ، والمصائب . والمحرمات وإن لم تكن من الخبائث الظاهرية عند النّاس والحلال هو الأول فقط دون الأخيرين . والأمر هنا استعمل في إنشاء الطلب بداعي الترخيص والإباحة لا بداعي الطلب الحقيقي ، فلا يستفاد منه سوى الإباحة والترخيص لا الوجوب بقرينة قوله تعالى :
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 157 ] . وتوجيه الخطاب للمؤمنين خاصة ، لأنّهم هم المقصودون في تحليل الطيبات وان الغرض الأهم إنما هو انتفاع أهل الإيمان منها ، كما إذا أجرى شخص ماء ليشرب هو وأهله منه وينتفع به في زرعه فتشرب منه الحيوانات ، فالمؤمن هو الغاية وأنه أولى من غيره ، ولذا تكون الطيبات خالصة لهم يوم القيامة قال تعالى :
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ سورة الأعراف ، الآية : 32 ] . أو أنه تعالى خصهم بالذكر تفضيلا . قوله تعالى :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
. الشكر إظهار نعمة المنعم على نحو من التعظيم اما بالقلب وهو تصور نعمة المنعم ، أو باللسان وهو الثناء عليه ، أو بالجوارح والأركان وهو مكافآت النعمة بقدر الاستحقاق وحينئذ فإن كان المنعم غير اللّه تعالى فالأمر واضح وأما إن كان هو عزّ وجل فلا أثر للشكر إلّا استكمال الشاكر قال تعالى :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
[ سورة النمل ، الآية : 40 ] فالشكر للّه أي شكر نعم اللّه التي خلقها وأباحها وسهّل الانتفاع منها فإنها كلها من فضله ومننه وإحسانه . والشكر كما يظهر - من الآيات والروايات - من أجلّ مقامات الإنسان