تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
للعبادة عين منشأ كونه أهلا للشكر لعدم تعدد الحيثيات والجهات في ذاته الأقدس ، فكما انه إله الجميع بالاستحقاق الذاتي كذلك يكون مشكور الكل أيضا ، لانتهاء جميع النعم إليه عزّ وجل ، فالشكر على نعمائه ملازم لعبادته وهي متوقفة على معرفة المعبود ولو إجمالا ، ومن أهم مقدمات المعرفة وجوب شكر المنعم بل هو أساس العبادة وغاية العبودية ؛ ولذا قدم عزّ وجل الشكر على العبادة في المقام ، وفي قوله تعالى :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
[ سورة النساء ، الآية : 147 ] فالشكر يكون داعيا للعبادة بل هي نفسه في نفوس الأولياء كما قال سيدهم : « ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » وهذا من أدق مباني الفلسفة حيث اجتمع فيه العلة الفاعلية والعلة الغائية والمادية والصورية . قوله تعالى :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ
. مادة ( ح ر م ) تأتي بمعنى المنع ، سواء كان تكليفيا أم غير تكليفي تكوينيا أم قهريا ، قال تعالى :
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
[ سورة المائدة ، الآية : 72 ] وهو من المنع التكويني لكونه من الجمع بين المتنافيين فلا يجتمع الخبيث من كل جهة مع الطيّب كذلك ، ومن المنع القهري قوله تعالى :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً
[ سورة المائدة ، الآية : 26 ] والمقام من المنع التكليفي الشرعي . والحرمة من احدى الأحكام الخمسة التكليفية : وهي الوجوب ، والحرمة ، والإباحة ، والندب ، والكراهة ، وهي ثانية في جمع الشرايع الإلهية على اختلافها بل هي دائرة في الأحكام الوضعية ولو كانت غير سماوية . والميتة : من الحيوانات ما مات حتف أنفه ، وعن الفقهاء تعميمها إلى كل ما زال روحه بغير تذكية شرعية . والدم : معروف وبه يحيا الحيوان وتنتظم شؤونه ووظائفه : أو المراد به هنا الدم المسفوح لقوله تعالى :
أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
[ سورة الأنعام ، الآية : 145 ] .