تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
الْحَكِيمِ
[ سورة آل عمران ، الآية : 58 ] . ومن أشدها حسرة قوله تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
[ سورة البقرة ، الآية : 44 ] . وتقدم بعض الكلام في الآية الأخيرة . والمعنى : إنّ الرسول يتلو عليكم الآيات الباهرات التي تهديكم إلى الصراط المستقيم وترشدكم إلى الحق القويم . قوله تعالى :
وَيُزَكِّيكُمْ
. أصل الزكاة هو النمو الحاصل من بركة اللّه تعالى سواء أكان في الأمور الدنيوية ، أم الأخروية ، أم هما معا . وقد استعملت في القرآن الكريم بأنحاء شتى ، فتارة : تضاف إلى اللّه عزّ وجل ، قال تعالى :
بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
[ سورة النساء ، الآية : 49 ] . وأخرى : إلى نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) ؛ كما في المقام وثالثة : إلى ذات الفاعل ، قال تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[ سورة الشمس ، الآية : 9 ] . وهذا هو شأن جميع الصفات ذات الإضافة . والتزكية هي الطهارة والتقديس عن الأدناس والأرجاس الظاهرية أو الرذائل المعنوية ، سواء كانتا بالنسبة إلى النفس كما في بعض النفوس السعيدة مما يفيض عليها اللّه تعالى على نحو الاقتضاء ، كما قال تعالى :
غُلاماً زَكِيًّا
[ سورة مريم ، الآية : 19 ] ، أو بالنسبة إلى الأعمال والأفعال . والرسول الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) هو المثل الأعلى في التزكية بجميع مراتبها والقدوة الحسنة في الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة لا يدانيه أحد ولا يجاريه فرد ، ولقد جاهد في تزكية أمته بدينه وتعاليمه وتشريعاته ، وبنفسه الشريفة ، قال تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
[ سورة الأحزاب ، الآية : 21 ] . وتطهيرهم من رذائل الأخلاق وسوء الإعتقاد ، فإن بالتزكية يتخلى الإنسان عن الرذائل والخبائث ويتحلى بالفضائل ، فهي التربية العملية التي لها الأثر العظيم في مطلق التربية والتعليم . وترتب التزكية على التلاوة من قبيل ترتب المقتضى ( بالفتح ) على المقتضي ( بالكسر ) ، وقد يكون من قبيل ترتب المعلول على العلة التامة ، كما