تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
النفس من الرذائل وتحليتها بالفضائل لتستعد لإفاضة العلوم عليها ، ثم التعليم ثم معرفة الأشياء بحقائقها والعمل بما عرفه كل ذلك من طريق الشرع المبين . وعليه ترجع التلاوة والحكمة إلى الكتاب الذي هو القرآن العظيم فإنهما وان اختلفتا في المؤدى ولكنهما متحدتان مصداقا ، لكن الكتاب يظهر بأطوار مختلفة . قوله تعالى :
فَاذْكُرُونِي
. الذكر تارة : يطلق ويراد به التوجه والالتفاف الفعلي ، وهو عبارة أخرى عن الحفظ ، والفرق بينهما بالاعتبار ، فإن الثاني يقال له باعتبار ذاته ، والأول يقال له باعتبار التوجه الفعلي إلى الشيء ، ولو لوحظ ذات الحضور من حيث هو فهما سواء من هذه الناحية . وقد يطلق أخرى : ويراد به إظهار الشيء باللسان ، أو القلب أو الجوارح ، فمن الأول آيات كثيرة منها قوله تعالى :
هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي
[ سورة الأنبياء ، الآية : 24 . ] ومن الثاني قوله تعالى :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
[ سورة البقرة ، الآية : 200 ] فإنه عام لذكر القلب واللسان . ومن الأخير قوله تعالى :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[ سورة طه ، الآية : 14 ] حيث إنّ الصّلاة ذكر اللّه تعالى بالجوارح أيضا . بل يطلق الذكر على نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) الذي هو الفرد الأكمل والمرآة الأتم لصفات الجلال والجمال ، قال تعالى :
قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ
[ سورة الطلاق ، الآية : 10 ] بناء على أنّ لفظ « رسولا » من لفظ « ذكرا » ، كما أطلقت « الكلمة » على عيسى بن مريم ( عليه السلام ) قال تعالى :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
[ سورة النساء ، الآية : 171 ] . وقد يكون بمعنى الشرف وعلو المنزلة قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ
[ سورة الزخرف ، الآية : 44 ] ، وقال تعالى :
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
[ سورة الشرح ، الآية : 4 ] . والذكرى كثرة الذكر وأبلغ منه قال تعالى :
رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي