بيان : لا يخفى أنّ العلم الّذي في الناس والدوابّ مرتبة ضعيفة من مراتب الشعور ، ولا بأس بإطلاق الرّوح عليه . وهذا الشّعور في الناس والحيوان من صنعه تعالى العجيب الباهر المتفرّد به - وحده لا شريك له - قد عمّ ووسع جميع الحيوانات على اختلاف مراتب شعورها ، لا من جملة كراماته الخاصّة الخارقة للعادة الّتي اصطفى بها أولياءه وأمناءه .
وهذا الّذي ذكرناه ، إنّما هو بحسب مقام الثبوت وفرض صحّة الرّواية . وأمّا في مقام الإثبات والالتزام بأنّ الرواية واردة في تفسير الآية ، فمشكل جدّا .
الآية الحادية عشرة :
قوله تعالى :
« أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » .
( المجادلة / 22 )
بيان :
تحرير البحث في الآية الكريمة في ضمن مسائل :
المسألة الأولى :
الإيمان باللّه من أشرف الفرائض وأسناها . وهو العهد المأخوذ والميثاق المكتوب بين اللّه تعالى وبين أولي الألباب من خلقه ، وقد أسّس بنيانه على الحجّة السّاطعة ؛ أي : العقل والنور الهادي . فطوبى لمن عقل عن اللّه ووفى بعهده وقام بميثاقه .
وهو عبارة عن الإقرار والإذعان بما عرف من الحقّ المبين - جلّ مجده - والالتزام والتديّن بجميع ما أمر اللّه - سبحانه - ونهى عنه ، سواء كان من الأعمال القلبيّة أو البدنيّة ؛ ثمّ القيام والإقدام في الامتثال والائتمار بجميع فرائض اللّه تعالى ، والانتهاء عن جميع ما حرّم اللّه . سواء كانت الفرائض والمحرّمات بحسب الأمر المولويّ التعبّديّ ، أو بحسب استقلال العقل في دركها ونيلها ؛ وسواء كانت قلبيّة أو بدنيّة . وكذلك الالتزام بأنّ وضع الدين والتشريع حقّ مطلق للّه - سبحانه - المتفرّد به وحده لا شريك له .