تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
أقول : في هذين الحديثين دلالة وشهادة على ما ذكرنا من أنّ المأمور به هو السّجدة فقط وهي سبب القرب من اللّه تعالى . فالواجب حمل لفظ السّجدة على معناها اللّغويّ . وظاهر أنّ ذلك إنّما هو بعد الفحص عن قيودها وشرائطها . فعلى عهدة الفقيه الأخذ بها مع ما ظفر بها من المقيّدات في كلّ من الموارد المفروضة والمسنونة . فالآية الكريمة مطلقة من حيث الكيفيّة . ولا تنافي من صدقها على مطلق ما يتحقّق به السّجود والخضوع من أنواع السّجدة وأقسامها . قال تعالى :
« وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً » .
( البقرة / 58 ) ؛ أي : ركّعا ، على ما ذكره القاموس . وقال تعالى :
« قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً . . . .
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ . . . » .
( الإسراء / 107 - 109 ) نعم ؛ الخرور على الأرض بالأعضاء السّبعة ، متطهّرا مستقبلا ، من أوضح مصاديق السّجدة والخضوع ، لا أنّه معناها . والإتيان بذلك النوع كاف في الامتثال من جهة انطباقها بالمأمور به . أمّا تعيّن ذلك ، فلا دليل عليه من ظاهر الآية . هذا كلّه بحسب كيفيّة السّجدة . وأمّا من حيث الوجوب والاستحباب ، فظاهر الأمر يفيد الوجوب ، ما لم تقم قرينة صالحة لتقييد الإطلاق . وأمّا الكلام في الروايات الواردة في تفسير المقام ، فهي أيضا مطلقه من حيث الكيفيّة ومن حيث الوجوب . فالكلام في الرّوايات بعينه الكلام في الآية الكريمة . فتحصّل أنّه بناء على ما ذكرنا ، يصحّ السّجود من الجنب والحائض والنّفساء ولا يشترط فيها طهارة اللّباس والبدن ولا طهارة مكان الساجد وغيرها من الشرائط المأخوذة في سجدة الصلاة إلّا الغصب . فإنّ السّجدة على المغصوب ، محرّم عقلا ، فلا يجوز . في نور الثقلين 5 / 611 عن الفقيه : قال الصادق - عليه السّلام - : أقرب ما يكون العبد إلى اللّه وهو ساجد . قال اللّه تعالى :
« وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ » .
وقد روي أنّه يقول في سجدة العزائم : « لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا . لا إله إلّا اللّه