أقول : بناء على هذه الرواية أنّها السّورة الثامنة الّتي نزلت على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - في أوائل أمره ومبعثه . ويبعد ذلك بالنّظر إلى ما تشتمل عليه هذه السّورة المباركة من إيجاب إعطاء المال والحثّ والترغيب عليه والتوبيخ والإنكار على من بخل بالمال وكذّب بالثواب . وينطبق ذلك على شيء من الحقوق الواجبة الّتي يجب إخراجها .
وقد ورد في بعض الروايات أنّها نزلت في شأن رجلين من الأنصار ، على ما سيجيء ذكرها . وهذه الروايات أحقّ وأولى بالأخذ بها والسكون إليها من رواية ابن عبّاس .
وواضح أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كان يدعو الناس في بدء أمره إلى اللّه - سبحانه - وتوحيده ، وإلى الإيمان بيوم المعاد والجزاء وأمثال ذلك من المعارف الأصيلّة الدينيّة . وما كان يومئذ مورد الخصام والاحتجاج والبشارة والإنذار إلّا الأصول الدّينيّة ، لا الأحكام والفروع .
فالّذي يترجّح في النّظر أنّ الآية الكريمة مدنيّة . وهذه البشارة والإنذار مسوقة من حيث الامتثال والقيام بالحقوق الماليّة والعصيان فيها . والتوبيخ والتهديد المذكور فيها على ما في نفس الإنسان من رذيلة البخل وما يتفرّع منها . وكذلك التحسين والتقدير على ملكة الجود وما يتفرّع منها .
قوله تعالى :
« وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
( 1 ) » .
بيان : ظاهر الآية الكريمة بقرينة حذف المتعلّق أنّ المغشيّ هو العموم ؛ أي :
عموم ما يمكن أن تجري عليه اللّيل من الموجودات . فيكون المعنى : يغشى بظلامه جميع ما يمرّ عليه تدريجا شيئا فشيئا . فإنّ جريان الظلمة في الأرض ، بناء على كرويّة الأرض ، ليس في آن واحد دفعة واحدة ، بل يجري تدريجا في صفحة بعد صفحة . فما من صفحة من الأرض إلّا يمرّ عليها اللّيل ويسري فيها تدريجا .
وممّا ذكرنا يعلم وهن ما قيل إنّ المعنى يغشى اللّيل النهار ؛ لعدم الدليل على تعيين المتعلّق . قال في الكشّاف 4 / 761 : المغشيّ إمّا الشّمس ؛ من قوله :
« وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها »
[ الشمس / 4 ] وإمّا النهار ؛ من قوله :
« يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ » .
[ الأعراف / 54 ] وإمّا