وقيل : إنّ المراد من أكله المال جميعه ، أكل نصيبه مع نصيب غيره من الورثة .
وقيل : إنّ المراد أكل التراث بجميعه مع علمه بوجود المظلمة وعدم إخراج مظالم العباد عن المال .
وقيل : إنّ المراد أنّ السنّة في الجاهليّة كانوا لا يورّثون النّساء والصّبيان ويأكلون نصيبهم مع نصيبهم . ( الكشاف 4 / 751 )
أقول : دلالة الآية الكريمة على الأقوال المذكورة ، تحتاج إلى معونة وعناية زائدة على عنوان التراث . ولا دليل على شيء منها . فإنّها أكل مال بالباطل عصيانا وحراما لا فرق فيه بين جميع المال وأبعاضه . وهو غير عنوان أكل التراث كلّه .
وأبعد الأقوال هو القول الأخير . ولا دليل على حمل الآية على توبيخ أهل الجاهليّة ولإبطال سنّتهم السيّئة . فيجب الأخذ بإطلاقها . فإنّ مورد الآية من المقبّحات العقليّة . فهي جارية على موضوعها على نحو القضيّة الحقيقيّة من دون اختصاص بزمان دون زمان وبنوع دون نوع .
قوله تعالى :
« وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
( 20 ) » .
قال في القاموس 4 / 92 : الجمّ : الكثير من كلّ شيء .
أقول : هذا توبيخ وتشنيع آخر على رذيلة أخرى ؛ وهو حبّ المال على نحو الإفراط . والفرق بين هذه الرذيلة ورذيلة البخل : أنّ الحبّ للمال قد لا يمنعه صرفه فيما يشتهيه من الإسراف وغيره ؛ بخلاف البخيل ، فإنّه لا يريد إلّا أن يأكل زاده . فهذه الآية الكريمة في سياق قوله تعالى :
« إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ . وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ . وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ . أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ . وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ . إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ » .
( العاديات / 6 - 11 )
والفرق بين الآية المبحوثة وهذه الآية : أنّ قوله تعالى :
« لَشَدِيدٌ »
صفة للإنسان فيها . و
« جَمًّا »
صفة لقوله تعالى :
« حُبًّا »
في الآية المبحوثة . فالمعنى : إنّ