قال في المجمع 10 / 421 :
« وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً » .
اختلف في معناه على وجوه : أحدها أنّ معناه : وجعلنا نومكم راحة ودعة لأجسادكم . وثانيها أنّ المعنى ، جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم وتصرّفكم . عن ابن الأنباريّ . وثالثها جعلنا نومكم سباتا ليس بموت على الحقيقة ولا مخرجا عن الحياة والإدراك .
أقول : القول الأوّل هو الّذي اخترناه وهو في نهاية الجودة والمتانة . والقول الثالث لم يفرّق بين جعل وبين خلق . وهذا الّذي ذكره راجع إلى خلق لا إلى جعل .
وعن بعض : إنّ معنى
« وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً »
أي : قطعا لتصرّفات النفس في البدن .
وهو ضعيف أيضا ؛ إذ ليس قطع تصرّف النفس إلّا بيان حقيقة النوم . وإن أراد أن ذلك لحكمة أصل النوم ، فالعبارة غير وافية بذلك .
وثانيا : إنّ ذلك ينافي سياق الامتنان . فإنّ الكلام في الآيات مسوق للامتنان في الجعل الّذي بعد مرتبة الخلق . والجعل في أمثال المقام بمنزلة الغاية للخلق .
وفي تفسير الرازيّ 31 / 6 : قال الزجّاج : « سباتا » : موتا . والمسبوت : الميّت .
من السبت ، وهو القطع . لأنّه مقطوع عن الحركة . ودليله أمران : أحدهما قوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ
- إلى قوله : -
ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ .
[ الأنعام / 60 ] والثاني : أنّه لمّا جعل النّوم موتا ، جعل اليقظة معاشا - أي : حياتا - في قوله :
« وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً »
.
أقول : ليس السبات في اللّغة بمعنى الموت . والقطع عن الحركة ليس بموت . وليس المسبوت بميّت . والاستشهاد ليس بصحيح . فإنّ الموت ، وإن كان توفّيا ، ولكنّه ليس التوفّي كلّه موتا . قال تعالى :
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى . . . » .
( الزمر / 42 )
واليقظة خلاف النوم ، والحياة خلاف الموت ، واليقظة ليست هي الحياة .
فقد تحصّل في المقام أنّ اللّه - سبحانه - خلق النّوم فجعله راحة وسكونا