مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلّفها . ذلك قوله - جلّ وعزّ - :
« وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » .
[ الذاريات / 49 ] .
أقول : الخطبة المباركة وما نحوها من الرّوايات مسوقة في التذكير بربوبيّته تعالى ، على ما أوضحناه في تفسير
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
( الفاتحة / 1 ) . فإنّ المراد من هذا الاسم الكريم : « الربّ » أي : خلقه تعالى جميع ما سواه طبق الحكمة القيّمة على نحو الإحكام والإتقان ، وفي نهاية الجودة والحسن ؛ بخلاف الآية الكريمة ونظائرها في القرآن الكريم . فإنّها مسوقة لبيان فضله تعالى وإحسانه وجلائل نعمه على عباده . فالآية الكريمة نظيرة قوله تعالى :
« وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى . مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى »
. ( النجم / 45 و 46 )
« ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى »
. ( القيامة / 38 و 39 )
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً »
. ( فاطر / 11 )
وبهذا البيان يتبيّن أنّ الظاهر في المقام هو خلق الزوجين أي الذكر والأنثى .
قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً
( 9 ) » .
قال في القاموس 1 / 148 : السبت : الراحة ، والقطع ، وحلق الرأس ، وإرسال الشعر .
أقول : ونظيرة الآية الكريمة قوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً » .
( الفرقان / 47 )
فالمجعول في الآيتين هو السّبات لا النوم ، ولا النوم والسبات ، كما أوضحنا في قوله تعالى :
« الْجِبالَ أَوْتاداً »
. فالكلام في الآيتين مسوق لبيان شيء من حكمة النوم ومصالحه .
وفي المرآة / 174 : السبات بمعنى الراحة والسكون والانقطاع مطلقا ، أو عن الحركة . وجعله اللّه صفة للنوم في سورة الفرقان والنبأ .
أقول : هذا الكلام على ظاهره غير سديد . فإنّ السّبات ليس صفة للنّوم ، بل هو مفعول ثان لجعل .