الكريم بعينها برهان وتذكرة على توحيده - تعالى شأنه - أيضا ، خارجا عن حدّ التعطيل والتشبيه .
وهل الآيات مسوقة لإثبات الصّانع وتوحيده ، أو إنّها مسوقة للتذكير بالتوحيد فقط ، وقد كان إثبات الّصانع أمرا مفروغا منه ؟ والّذي يلوح من الآيات هو الثاني . فإنّ لسان الآيات أنّ هذه السنن القيّمة والأفعال الحكيمة إنّما هي من صنائعنا ، لا من صنائع غيرنا . فقد أسند تعالى هذا الصّنع والتنظيم إلى نفسه ولا يريد إثبات نفسه بذلك .
قوله تعالى :
« وَالْجِبالَ أَوْتاداً
( 7 ) » .
بيان : أي : جعلنا الجبال أوتادا للأرض ، لئلّا تميد الأرض بأهلها . فالمجعول في الآيات الكريمة هو عنوان الوتديّة . وفيه تصريح لبيان شيء من حكمة خلق الجبال ، وليست مسوقة للاستدلال على وجود الصّانع وقدرته . وهذا هو الّذي ذكرناه في تفسير الآية المتقدّمة في بيان ربوبيّته تعالى وتوحّده في الربوبيّة ؛ أي : تنظيم أجزاء العالم وترتيبها وإتقان الأمر فيها وجودة الصنع ، وأفعاله تعالى كلّها حسنة . ويأتي تفسير الآيتين عن قريب - إن شاء اللّه - في تفسير قوله تعالى :
« وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها . أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها . وَالْجِبالَ أَرْساها »
. ( النازعات / 31 - 33 )
قوله تعالى :
« وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً
( 8 ) » .
قال الرازيّ في تفسيره 31 / 6 : فيه قولان : الأوّل : المراد منه الذكر والأنثى ؛ كما قال :
« فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى » .
[ القيامة / 39 ] والثاني : أنّ المراد منه كلّ زوجين و [ كلّ ] متقابلين من القبيح والحسن والطّويل والقصير وجميع المتقابلات والأضداد . كما قال :
« وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ »
. [ الذاريات / 49 ]
أقول : في البحار 4 / 229 ، في خطبة عن مولانا الرضا - عليه السّلام - :
. . . وبمضادّته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له . وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له . ضادّ النور بالظلمة ، والجلاية بالبهم ، والجسوء بالبلل ، والصّرد بالحرور ، مؤلّف بين متعادياتها ، مفرّق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على