ونادى ربّه في الظّلمات مستجيرا ومستغيثا :
« لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » .
( الأنبياء / 87 ) فاستجاب - سبحانه - دعاءه ؛ وتاب عليه بفضله وكرامته ونجّاه من الغمّ .
قوله تعالى :
« لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
( 49 ) » .
ولكنّ اللّه تعالى قبل عذره ، واستجاب دعوته ، وتاب عليه بكرامته ، ونبذ بالعراء غير مذموم . والعراء : ساحل البحر والفضاء العريض .
قوله تعالى :
« فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
( 50 ) » .
قد فسّر الاجتباء بالاصطفاء والاختيار وقيل بترادفهما . واضطرب كلام بعض الأعيان في تفسيره ولم يأت بشيء مبين يطمئنّ إليه النّفس .
أقول : تفسير الاجتباء بالاختيار والاصطفاء ضعيف جدّا . ولا يجوز الالتزام بترادفها .
ففي الزّيارة الجامعة الكبيرة قال : « اصطفاكم بعلمه . وارتضاكم لغيبه . واختاركم لسرّه .
واجتباكم بقدرته . » فإفراد ذكر الاجتباء يدلّ على عدم الترادف بينها . وقال تعالى :
« يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ » .
( الشورى / 13 ) . فإنّ تعدية الاجتباء بإلى لا يلائم مع الاختيار والاصطفاء .
قال في الجوامع / 428 : « يجتبي إليه » . الضّمير للدّين . أي : يجتلب إليه بالتوفيق من يشاء .
وقريب منه ما في الكشّاف 3 / 464 . وقال الرّازي في تفسيره 27 / 157 : اشتقاق لفظ الاجتباء يدلّ على الضمّ والجمع . فمنه : جبى الخراج واجتباه . وجبى الماء في الحوض .
فقوله : « اللّه يجتبي إليه » ؛ أي : يضمّه إليه ويقرّبه منه ، تقريب الإكرام والرّحمة .
وهذا هو الظّاهر من الآية الكريمة والمتناسب بعبارة الزّيارة الجامعة . ويؤيّد ذلك ما في مجمع البحرين 1 / 8 :
« ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ »
( طه / 122 ) ، أي : اختاره واصطفاه وقرّبه إليه .
قوله تعالى :
« وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
( 51 ) » .
بيان : الآية الكريمة مسوقة لبيان شدّة بغض المشركين والمنافقين على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - حسدا وغيظا لما أكرم اللّه رسوله - صلّى اللّه عليه وآله - بمواهب جليلة كريمة .