قوله تعالى :
« فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ » .
قد اختلف الأقوال والوجوه في هذه الآية .
أقول : لا يخفى أن ما حمّله اللّه تعالى من العلم بالغيوب لرسوله ، علم صريح وعيان حقيقيّ بجميع ما علّمه تعالى رسوله . فعليه يكون المراد من قوله تعالى :
« يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً »
أنّه محفوظ ومصون من جميع جوانبه وأبعاد وجوده الشريف بحفظة كرام من الملائكة ، أو بعناية وعصمة وصيانة من ربّه تعالى . فهذه العناية والصّيانة لأجل عدم تخلّل مانع من تبليغ الرسالة . واللّه يتمّ إحسانه على رسوله ويحفظه ويؤيّده ويعصمه بعنايته البالغة ، ليعلم تعالى أنّ الرسل جميعا قد أبلغوا رسالات ربّهم .
قوله تعالى :
« وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
( 28 ) » .
يمكن أن يقال : حيث إنّ اللّه - سبحانه - مالك بالحقيقة وبالذات لما ملّكهم من العلم ، والأنبياء يملكون هذا العلم بتمليكه تعالى في طوله ؛ فهو - سبحانه - محيط ومالك لما ملّكهم ، وما لديهم من العلم غير منعزل عنه تعالى .
« وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » ؛
أي : غير ما علّمه الأنبياء .
وحيث إنّ دعوة الرسول الأكرم - صلّى اللّه عليه وآله - وبلاغة ، لا بدّ أن تجري إلى آخر الدهر ، فلا يتمّ دعوته إلّا بدعوة أوصيائه الصدّيقين . فلا محالة يملكون هذا العلم وهذا التبليغ بتمليكه تعالى عنه - صلّى اللّه عليه وآله .
في نور الثقلين 5 / 444 ، عن الخرائج والجرائح : روى محمّد بن الفضل الهاشميّ عن الرضا - عليه السّلام - نظر إلى ابن هذاب فقال : إن أنا أخبرتك أنّك ستبتلى في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك لكنت مصدّقا لي ؟ قال : لا ! فإنّ الغيب لا يعلمه إلّا اللّه تعالى . قال - عليه السّلام - :
« أوليس أنّه يقول :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ »
؟ ! فرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - عند اللّه مرتضى . ونحن ورثة ذلك الرّسول الّذي أطلعه اللّه على ما يشاء من غيبه ، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة . »