تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
ساعة ثمّ قال :
« أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها »
وقد أكلتهم السباع ، فأماته اللّه مكانه وهو قول اللّه تبارك وتعالى :
« أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ » . . .
وبقي إرميا ميّتا مئة سنة ثمّ أحياه اللّه - تعالى - فأوّل ما أحيى منه عيناه في مثل غرقى البيض ، فنظر فأوحى اللّه - تعالى - إليه
« كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً »
ثمّ نظر إلى الشمس وقد ارتفعت فقال :
« أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ »
فقال اللّه تعالى :
« بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ »
أي لم يتغيّر
« وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » .
فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطّرة تجمع إليه ، وإلى اللّحم الّذي قد أكلته السباع ، يتألّف إلى العظام من ها هنا وها هنا ، ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال :
« أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .
قوله تعالى :
« فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » .
العطف بالفاء دليل ارتباط هذه الجملة بما قبلها ، وهذه دليل طول اللبث والشاهد عليه ، فإن التسنّه بمعنى التغيّر ، وبديهيّ أنّ عدم تغيّر الشراب والطعام لا يكون آية لذلك ، إلّا بعد ضمّ آية أخرى فأتى بقوله :
« وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » .
والعناية في « انظر » ثانيا غير العناية فيه أوّلا ، فالأوّل لعدم تغيّر الشراب والطعام ، وبقاؤهما طريّين . وفي الثاني هو موت الحمار وتفتّت أعضائه وتفرّق أجزائه ، فلو كانت العناية في الثاني عين الأوّل يكون الحمار أيضا باقيا سالما إلى الحين ، ولما يحتاج إليه ثانيا ، على أنّه لا يكون دليلا وشاهدا على طول مدة اللبث بل يدلّ على عكسه . قوله تعالى :
« وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ » .
فإنّ إحياء بعد موته حجّة وآية للناس في عصره وفي القرون الآتية ، وآية لنفس هذا المبعوث أيضا ، إلّا أنّ غرض القصّة بالنسبة إليه من حيث رؤيته بالعين ومشاهدته عيانا ليس حيث الآيتيّة كما ذكرنا .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 35 | محمد باقر الملكي الميانجي