وحجّة على المنكرين والمرتابين ، وأمّا بالنسبة إلى نفس الشخص فليس من باب الحجّة عليه ، بل هو أعلى وأفضل وهي الرؤية .
والفرق بين هذه القصّة وقصّة إبراهيم عليه السلام حين سأل ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى ، هو أنّ ما وقع في قصة إبراهيم عليه السلام إحياء مطلق المؤتى حيوانا كان أو إنسانا ، بخلاف هذه القصّة فإنّها لبعث الإنسان بعد موته المصرّح به بقوله :
« أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها »
، فإنّه يقول حين رأى الدّيار خالية عن سكّانها ، والأجساد ملقاة فيها وفي عرصاتها . فتفضّل اللّه عليه وأكرمه وهداه إلى أن رأى إحياء نفسه ؛ ليكون على رؤية وعيان من إحياء الموتى .
ثمّ إنّ المشاهد المرئيّ المعلوم في إحياء الموتى ، هو حيث الإحياء بمعنى الاسم المصدري ، فإنّ الإحياء وإفاضة الحياة من اللّه - سبحانه - لا كيف له بحسب الواقع ، فلا معنى لكونه معلوما ومشهودا برأي العين .
قوله تعالى :
« فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ » .
غاية للفعل أي أماته وأبقاه وألبثه ميّتا مائة عام ، وليس ظرفا للفعل كي يكون الموت في هذا الزمان تدريجا .
قال في المنار 2 / 49 : قالوا : معناه ألبثه مائة عام ميّتا . وذلك أن الموت يكون في لحظة واحدة . قال الأستاذ الإمام : وفاتهم أنّ من الموت ما يمتدّ زمنا طويلا وهو ما يكون من فقد الحسّ والحركة والإدراك من غير أن تفارق الروح البدن بالمرّة ، وهو ما كان لأهل الكهف . وقد عبّر عنه تعالى بالضرب على الآذان .
أقول : ظاهر قوله تعالى :
« فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ »
هو الموت الحقيقي بمعنى تفرّق الروح عن البدن ، ويدلّ على هذا رثّ البدن وتفرّق عظامه المدلول بقوله :
« وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً »
إلّا أنّ المفسّر كما أوّل الموت بالسبات أوّل ذلك أيضا بخلاف ما هو الظاهر منه . وهل هذا إلّا تحريف الكلم عن مواضعه ؟ ! وليث شعري أي مجوّز له في ذلك ؟ وإذا كان الأمر في هذه الآية كذلك ، فلم لم يكن في مئات من الآيات الّتي تدلّ على المعاد الجسماني كذلك ؟ !
قوله تعالى :
« ثُمَّ بَعَثَهُ » .